الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الحنيفية هي توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له وحده، والميل عن الشرك وكل ما يُعبد من دون الله. وهي ملة إبراهيم عليه السلام التي أمر الله نبيه محمدًا ﷺ والمؤمنين باتباعها.
قال الله تعالى:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[آل عمران: 67]
وقال سبحانه:
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[الأنعام: 161]
ما معنى «حنيفًا»؟
الحنيف هو المائل عن الشرك والباطل إلى التوحيد والحق؛ أي المقبل على الله، المعرض عما سواه، المخلص له في العبادة.
وقد فسّر السعدي رحمه الله الحنيف بأنه المقبل على الله، المعرض عما سواه، القائم بالتوحيد، التارك للشرك.
فالحنيفية ليست مجرد الاعتقاد بوجود الله، وإنما تقوم على عبادته وحده وعدم إشراك أحد معه.
هل الحنيفية دين مختلف عن الإسلام؟
لا. الحنيفية في أصلها هي الإسلام بمعناه العام الذي جاء به الأنبياء جميعًا: الاستسلام لله وتوحيده وعبادته وحده.
فالأنبياء اتفقوا في أصل العقيدة والتوحيد، وإن اختلفت بعض الشرائع والأحكام التي شرعها الله لأممهم.
ولهذا وصف القرآن إبراهيم عليه السلام بأنه «حنيفًا مسلمًا»، وأمر الله النبي محمدًا ﷺ باتباع ملته:
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[النحل: 123]
وهل المسلمون اليوم على ملة إبراهيم؟
نعم، المسلم الذي يتبع النبي محمدًا ﷺ ويعبد الله وحده هو متبع لملة إبراهيم؛ لأن الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ قائم على أصل دعوة إبراهيم والأنبياء جميعًا، وهو توحيد الله وإخلاص الدين له.
وقد بيّن ابن عاشور أن الإسلام هو الحنيفية، وأن الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ هو في أصل التوحيد ما جاء به إبراهيم عليه السلام.
بل جاء عن النبي ﷺ:
«إني أُرسلت بحنيفية سمحة»، كما ورد أن أحب الدين إلى الله «الحنيفية السمحة».
وماذا عن الحنفاء قبل بعثة النبي ﷺ؟
بقي قبل بعثة النبي محمد ﷺ أفراد من العرب رفضوا عبادة الأصنام وحاولوا التمسك بما بقي من ملة إبراهيم، ومن أشهرهم زيد بن عمرو بن نفيل، الذي رفض اليهودية والنصرانية وعبادة الأصنام، وأعلن أنه على دين إبراهيم ولا يعبد إلا الله.
الخلاصة
الحنيفية هي إخلاص العبادة لله وحده، والميل عن الشرك إلى التوحيد.
وهي ملة إبراهيم عليه السلام، وليست دينًا مستقلاً منافسًا للإسلام؛ بل أصلها هو الإسلام والاستسلام لله الذي دعا إليه جميع الأنبياء.
وبعد بعثة محمد ﷺ يكون اتباع ملة إبراهيم باتباع الإسلام الذي جاء به النبي محمد ﷺ، لا بإنشاء دين مستقل يسمى «الحنيفية».
والله أعلم