الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ليس في القرآن أو السنة نص صريح يثبت أن الملائكة يرون الله تعالى في الدنيا أو ينفي ذلك، ولذلك فالأولى التوقف في هذه المسألة وعدم الجزم بشيء بلا دليل. أما في الآخرة، فقد رجح عدد من أهل العلم أن الملائكة يرون الله تعالى، وإن كانت المسألة قد وقع فيها خلاف بين العلماء.
هل ترى الملائكة الله في الدنيا؟
لا نعلم نصًا صحيحًا صريحًا يثبت أن الملائكة يرون الله تعالى في الدنيا، ولا نصًا ينفي ذلك.
وهذه من مسائل الغيب التي لا يصح الجزم فيها بمجرد الاحتمال أو الرأي.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[الإسراء: 36]
ولهذا فالأولى الوقوف عند حدود ما ثبت في النصوص.
هل ترى الملائكة الله في الآخرة؟
اختلف أهل العلم في ذلك.
فذهب بعض العلماء إلى أن رؤية الله في الآخرة خاصة بمؤمني البشر، وأن الملائكة لا يرونه.
وذهب آخرون إلى أن الملائكة يرون الله تعالى في الآخرة، وهذا هو القول الذي رجحه عدد من أهل العلم.
وقد نقل السفاريني رحمه الله هذا الخلاف، ثم رجح أن الملائكة يرون الله تعالى.
ما دليل من قال إن الملائكة يرون الله؟
استدل بعض أهل العلم بآثار وردت في أن الملائكة إذا كان يوم القيامة تجلى الله لهم، فنظروا إليه.
ومن ذلك ما نُقل عن بعض الصحابة والآثار في وصف الملائكة الذين يعبدون الله من حين خلقهم، فإذا جاء يوم القيامة قالوا:
«سبحانك ما عبدناك حق عبادتك».
وجاء في بعض الروايات ذكر تجلي الله لهم يوم القيامة ونظرهم إليه.
وقد استدل البيهقي وغيره بهذه الآثار في باب رؤية الملائكة لربهم.
هل الآية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ تنفي رؤية الملائكة لله؟
استدل بعض من نفى رؤية الملائكة لله بقوله تعالى:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾
[الأنعام: 103]
وقالوا: ثبت بالدليل استثناء المؤمنين من هذا العموم، فبقي الملائكة داخلة فيه.
لكن هذا الاستدلال لم يقبله جميع العلماء، ورأى آخرون أن عدم الإدراك لا يساوي بالضرورة عدم الرؤية، وأن الأدلة الأخرى لا تمنع أن يرى الملائكة ربهم في الآخرة.
ماذا قال السيوطي في المسألة؟
ذكر السيوطي رحمه الله الخلاف في هذه المسألة، ثم رجح أن الملائكة يرون الله تعالى.
ونقل أيضًا عن عدد من العلماء القول بذلك، ومنهم ابن القيم والبلقيني.
فالمسألة ليست محل إجماع، لكن القول برؤية الملائكة لله تعالى في الآخرة هو الذي رجحه جماعة من أهل العلم.
وهل رؤيتهم كَرؤية المؤمنين من البشر؟
ليس في النصوص ما يوجب القول بأن كيفية رؤية الملائكة لله أو مقدارها أو أوقاتها مماثلة تمامًا لرؤية المؤمنين من البشر.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن المؤمنين من البشر لهم في الجنة مزية عظيمة في رؤية الله تعالى، وأن غيرهم قد لا يكون في المرتبة نفسها.
لكن تفاصيل ذلك من أمور الغيب التي لا نتجاوز فيها ما ثبت.
وماذا عن المؤمنين من الجن؟
ذكر بعض أهل العلم أن مؤمني الجن إذا دخلوا الجنة، فإنهم يرون الله تعالى أيضًا.
ونُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل: هل كل من دخل الجنة يرى الله؟ فقال: نعم.
وعلى هذا بنى بعض العلماء القول بأن المؤمنين من الجن والملائكة يرون الله تعالى في الآخرة.
الخلاصة
رؤية الملائكة لله تعالى في الدنيا لم يثبت فيها نص صريح بالنفي أو الإثبات، ولذلك نتوقف فيها.
أما في الآخرة، فقد اختلف العلماء، ورجح جماعة منهم أن الملائكة يرون الله تعالى.
لكن تفاصيل هذه الرؤية وكيفيتها وأوقاتها من أمور الغيب، فلا يثبت منها إلا ما جاء به الدليل.
والله أعلم