الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
شهادة «لا إله إلا الله» هي أصل الإسلام وأعظم كلمة في التوحيد، ومعناها الأساسي: لا معبود بحق إلا الله؛ أي إفراد الله سبحانه بالعبادة، وترك عبادة كل ما سواه.
ومع ذلك، فإن هذه الشهادة تتضمن أنواع التوحيد الثلاثة، وهي:
توحيد الربوبية: الإيمان بأن الله وحده هو الخالق والمالك والرازق والمدبر لشؤون الخلق.
توحيد الألوهية: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة، كالدعاء والصلاة والتوكل والاستعانة والذبح والنذر وغيرها من العبادات.
توحيد الأسماء والصفات: الإيمان بما ثبت لله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات العلى على الوجه اللائق به سبحانه.
وهذه الأنواع مترابطة ومتلازمة؛ فمن آمن بأن الله وحده هو الخالق والرازق والمدبر، لزمه أن يعبده وحده، ومن آمن بربوبيته سبحانه آمن بما له من الأسماء والصفات الدالة على كماله.
قال الله تعالى:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
[مريم: 65]
فالآية جمعت بين معاني الربوبية والعبادة وما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
هل يجب استحضار الأنواع الثلاثة عند كل نطق بالشهادة؟
لا يشترط أن يستحضر المسلم في ذهنه عند كل مرة يقول فيها «لا إله إلا الله» التقسيم العلمي لأنواع التوحيد أو تفاصيل كل نوع.
المقصود أن يكون مؤمنًا بهذه المعاني في قلبه، محققًا لأصل التوحيد، وألا يعتقد ما يناقضها.
فقد يقول المسلم «لا إله إلا الله» وهو يستحضر بصورة خاصة معنى إخلاص العبادة لله، ولا يعني ذلك أنه أنكر أو فقد إيمانه بأن الله هو الخالق والرازق أو أنه سبحانه متصف بصفات الكمال.
وقد يغلب على الإنسان استحضار معنى معين بحسب حاله؛ فعند العبادة يستحضر إفراد الله بالعبادة، وعند طلب الرزق يستحضر أن الله هو الرزاق، وعند الشدة يستحضر قدرة الله ورحمته وتدبيره.
وهل تكون التوبة صحيحة إذا استحضر الإنسان توحيد العبادة فقط؟
إذا كان الإنسان مؤمنًا أصلًا بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، ولكنه عند نطق الشهادة أو التوبة استحضر بصورة خاصة معنى: «لا معبود بحق إلا الله»، فلا تكون شهادته ناقصة بسبب عدم استحضاره في تلك اللحظة لجميع تفاصيل أنواع التوحيد.
ولا يلزمه إعادة التوبة لهذا السبب.
فالمطلوب ليس أن يردد الإنسان أسماء أقسام التوحيد أو يستحضر تعريفاتها في كل مرة، وإنما المطلوب الإيمان بحقيقتها والعمل بمقتضاها.
وقد ذكر أهل العلم أن المقصود من مسائل التوحيد وشروط الشهادة هو تحقيق معانيها، وليس مجرد حفظ المصطلحات والألفاظ.
الخلاصة
شهادة «لا إله إلا الله» معناها المباشر إفراد الله بالعبادة، وهي متضمنة لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات؛ لأن أنواع التوحيد متلازمة.
ولا يشترط عند كل نطق بالشهادة أن يستحضر المسلم في ذهنه الأنواع الثلاثة وتفاصيلها واحدًا واحدًا، بل يكفي أن يكون مؤمنًا بها محققًا لمعانيها وغير معتقد لما يناقضها.
فمن تاب إلى الله وهو مؤمن بذلك، وأخلص العبادة لله وحده، فتوبته صحيحة من هذه الجهة، ولا يلزمه تجديدها لمجرد أنه لم يستحضر تقسيمات التوحيد أثناء نطقه بالشهادة.
والله أعلم