احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه التوحيد في الاسلام 1299 2026-08-26

هل الاستنساخ يُعد خلقًا للحياة مثل خلق الله؟

السؤال
يقال إن نجاح العلماء في استنساخ بعض الكائنات الحية يعني أن الإنسان أصبح قادرًا على خلق كائن حي وإيجاد الحياة فيه، فهل هذا صحيح؟ وهل الاستنساخ يتضمن خلقًا من العدم أو نفخًا للروح، أم أنه مجرد استخدام لخلايا ومادة حية موجودة أصلًا؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الاستنساخ لا يعني أن الإنسان استطاع الخلق كخلق الله تعالى، ولا أن العلماء أصبحوا قادرين على إيجاد الروح أو منح الحياة من عند أنفسهم؛ لأن عملية الاستنساخ تبدأ أصلًا بمادة وخلايا حية خلقها الله، ثم تُجرى عليها عمليات وتقنيات للاستفادة من خصائصها الموجودة فيها.

وهناك فرق أساسي بين الخلق من العدم وبين تعامل الإنسان مع شيء موجود أصلًا وتغيير صورته أو نقله أو إعادة ترتيب مكوناته.

أولًا: الخلق والإحياء بيد الله تعالى

يقرر القرآن أن الله سبحانه هو خالق الإنسان والحياة والموت، قال تعالى:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾
[الروم: 40]

وقال سبحانه:

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾
[البقرة: 28]

فالإنسان يستطيع استخدام المخلوقات والقوانين التي أودعها الله في الكون، لكنه لا يستطيع أن يوجد الحياة من العدم استقلالًا عن الأسباب التي خلقها الله.

ثانيًا: ما حقيقة الاستنساخ؟

الاستنساخ في حقيقته ليس إيجاد كائن حي من لا شيء، وإنما يعتمد على مادة بيولوجية موجودة مسبقًا.

وفي الاستنساخ الجسدي المعروف، تؤخذ نواة من خلية تحتوي على المادة الوراثية، وتوضع في بويضة أزيلت نواتها، ثم تُحفَّز الخلية الناتجة على الانقسام، وتحتاج بعد ذلك إلى ظروف حيوية مناسبة حتى يستمر نموها.

فالعلماء هنا لم يصنعوا الخلية الأصلية، ولم يخلقوا المادة الوراثية، ولم يخلقوا البويضة ولا القوانين التي تجعل الخلايا تنقسم وتنمو.

ولهذا فإن وصف الاستنساخ بأنه خلق من العدم وصف غير دقيق؛ لأن مكوناته الأساسية موجودة قبل تدخل الإنسان.

ثالثًا: هل العلماء ينفخون الروح في الكائن المستنسخ؟

لا يوجد في عملية الاستنساخ ما يسمى علميًا بصناعة الروح أو نفخها.

العلماء يتعاملون مع الخلايا والمادة الوراثية والانقسامات الخلوية، أما الروح فهي من الأمور التي أخبر الله أن حقيقتها ليست مما أُعطي الإنسان علمًا كاملًا به.

قال تعالى:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[الإسراء: 85]

فنجاح عملية بيولوجية لا يعني أن العلماء صنعوا الروح أو أصبحوا قادرين على التحكم فيها.

رابعًا: القدرة على استخدام قوانين الخلق ليست خلقًا من العدم

الإنسان يستطيع الزراعة، فيضع البذرة في الأرض ويوفر لها الماء والظروف المناسبة حتى تنبت، ومع ذلك لا يعني هذا أنه خلق البذرة أو خلق الحياة الموجودة فيها.

وكذلك الطبيب قد يستخدم وسائل تساعد على حدوث الحمل، والجراح قد ينقل عضوًا من إنسان إلى آخر، والعلماء يستطيعون التعامل مع الخلايا والجينات، لكن كل ذلك يجري باستخدام مادة موجودة وقوانين كونية لم يخلقها الإنسان.

ومن هنا يتضح الفرق بين قدرة الإنسان على اكتشاف بعض قوانين الطبيعة والاستفادة منها، وبين إيجاد المادة والحياة وقوانينها من العدم.

خامسًا: ماذا عن معجزة عيسى عليه السلام؟

ذكر القرآن أن عيسى عليه السلام كان يصنع من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا، لكنه أكد مرارًا أن ذلك كان بإذن الله:

﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾
[المائدة: 110]

فالمعجزة نفسها لم تكن قدرة مستقلة لعيسى عليه السلام تنازع قدرة الله، وإنما كانت آية أجراها الله على يديه.

وهذا يوضح أصلًا مهمًا، وهو أن حصول أمر خارق أو غير معتاد على يد مخلوق لا يجعله خالقًا مستقلًا عن الله.

سادسًا: الاستنساخ لا يناقض الإيمان بأن الله هو الخالق

التقدم العلمي يمكن أن يكشف للإنسان كيفية عمل بعض الأنظمة التي أوجدها الله في المخلوقات، لكنه لا يعني أن الإنسان أوجد هذه الأنظمة من العدم.

فالاستنساخ يعتمد على الخلية وما تحتويه من مادة وراثية، وعلى قدرتها على الانقسام والنمو، وعلى بيئة حيوية مناسبة لاستمرار هذه العملية.

ولهذا فإن نجاح الإنسان في توظيف هذه الأشياء لا يجعله خالقًا لها، كما أن صناعة الإنسان لأشياء من الحديد لا تعني أنه خلق الحديد نفسه من العدم.

فالخلاصة: الاستنساخ ليس خلقًا كخلق الله، ولا هو إيجاد للحياة من العدم، ولا يتضمن قدرة العلماء على صناعة الروح أو نفخها. وإنما هو تدخل بشري في خلايا ومادة وراثية موجودة أصلًا، باستخدام خصائص وقوانين أودعها الله في المخلوقات. ولذلك لا يوجد في حقيقة الاستنساخ ما يناقض الاعتقاد بأن الله سبحانه هو الخالق والمحيي والمميت.

والله أعلم