الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الخواطر السيئة وحديث النفس التي تطرأ على الإنسان من غير قصد ولا يسترسل معها لا يؤاخذ بها، ما لم يتكلم بها أو يعمل بمقتضاها. وبحسب الفتوى، فإن الملائكة لا تؤمِّن على مجرد الوساوس والخواطر السيئة التي ترد على القلب، وإنما تؤمِّن على الدعاء بالخير الذي يدعو به المسلم لأخيه.
حديث النفس العابر معفو عنه
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
«إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ»
[رواه البخاري ومسلم]
فالإنسان قد تمر بقلبه أفكار لا يريدها ولا يختارها، وقد تكون بسبب غضب أو حزن أو وسوسة، ولا يكون مجرد ورودها إلى النفس ذنبًا.
وأوضح الإمام النووي رحمه الله أن الخواطر وحديث النفس إذا لم تستقر ولم يستمر عليها صاحبها فهي معفو عنها؛ لأن الإنسان لا يملك منع كل خاطر يمر بقلبه.
ولهذا قال:
«الخواطر وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء».
ماذا لو خطر في القلب الدعاء على شخص؟
إذا أساء إليك شخص، فخطر في نفسك مثلًا أن يصيبه مكروه، لكنك لم تتعمد الدعاء عليه، ولم تتمنَّ له الشر بقصد مستقر، ولم تتلفظ بشيء، وإنما كان ذلك مجرد خاطر عابر بسبب الغضب؛ فلا حرج عليك في مجرد هذا الخاطر.
والمهم هنا التفريق بين الخاطر العابر وبين أن يتعمد الإنسان استحضار معنى سيئ ويستقر عليه قلبه ويرضى به.
فالحديث المذكور يتعلق بما يحدث في النفس من غير أن يتحول إلى قول أو عمل، وبما لا يستقر عليه الإنسان بإرادته.
هل تؤمِّن الملائكة على هذه الخواطر؟
بحسب الفتوى، لا تؤمِّن الملائكة على الوساوس والخطرات السيئة التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان.
فلا ينبغي للإنسان أن يقلق إذا خطر بقلبه شيء سيئ تجاه شخص أساء إليه، ويظن أن الملائكة قالت «آمين» على ذلك لمجرد مروره في نفسه.
وإنما المطلوب منه أن يدفع هذه الخواطر ولا يسترسل معها.
ماذا تفعل إذا جاءتك أفكار سيئة تجاه من أساء إليك؟
الأفضل أن تقطع هذه الأفكار وألا تغذيها بالتفكير والاسترسال.
ومن الأمور النافعة أن تقابلها بالدعاء بالخير؛ فهذا يعين على إزالة أثر الغضب ويغلق باب الوسوسة.
فبدل أن ينشغل الإنسان بالخوف من الخواطر التي لم يخترها، يهتم بما يستطيع التحكم فيه من أقواله وأعماله وما يتعمده قلبه.
الملائكة تؤمِّن على الدعاء بالخير
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
«دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ»
[رواه مسلم]
فالذي جاء به الحديث هو تأمين الملك عندما يدعو المسلم لأخيه بخير.
ولهذا فإن تحويل الخاطر السيئ إلى دعاء بالهداية أو الصلاح أو الخير عمل أفضل للقلب وأبعد عن الوسوسة.
لا تحاسب نفسك على كل خاطر
قد يبتلى بعض الناس بالخوف الشديد من الأفكار التي تمر في أذهانهم، فيظنون أن مجرد ورود فكرة محرمة يعني أنهم أرادوها أو ارتكبوا إثمًا.
وهذا غير صحيح.
فالعبرة ليست بمجرد مرور الخاطر، وإنما بما يتعمده الإنسان ويستقر عليه ويختاره من قول أو عمل.
ولهذا جاءت الشريعة بالتجاوز عن حديث النفس الذي لا يتحول إلى قول أو فعل.
الخلاصة
إذا خطر في قلب المسلم دعاء سيئ على شخص أساء إليه، من غير قصد ولا تعمد ولا تلفظ، وإنما كان مجرد خاطر عابر أو وسوسة، فلا يؤاخذ عليه ما لم يسترسل معه ويتعمده.
وبحسب الفتوى، لا تؤمِّن الملائكة على هذه الوساوس والخطرات السيئة، وإنما ثبت تأمين الملك على دعاء المسلم لأخيه بالخير.
فإذا وردت هذه الخواطر، فالأفضل دفعها وعدم الالتفات إليها، ويمكن مقابلتها بالدعاء بالخير والصلاح.
والله أعلم