الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
اختلف أهل العلم في عدِّ «المُقْسِط» من أسماء الله الحسنى؛ فعدَّه جماعة من العلماء من أسمائه تعالى، واستدلوا بما ورد في القرآن والسنة، بينما توقف آخرون في عَدِّه اسمًا؛ لأن النصوص الواردة لم تأتِ بصيغة الاسم الصريح في حق الله تعالى.
ذهب عدد من العلماء إلى أن «المُقْسِط» من أسماء الله الحسنى، ومنهم: الخطابي، وابن منده، والحليمي، والبيهقي، والأصبهاني، وابن العربي، والقرطبي، وابن القيم، وغيرهم.
ومن أدلتهم قول الله تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47].
واستدلوا كذلك بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه...»
رواه مسلم.
كما استدل بعضهم بقول الله تعالى:
﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9].
فـ«المُقْسِط» هو العادل، ومن هذا الباب قالوا: إن الله تعالى هو المُقْسِط، أي الكامل في عدله وقسطه.
ينبغي التفريق بين اللفظين؛ لأن بينهما فرقًا في المعنى.
المُقْسِط من «أَقْسَطَ»، ومعناه: عَدَلَ وأنصف.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42].
أما القاسط فمن «قَسَطَ»، ويأتي بمعنى جار وظلم وعدل عن الحق.
قال تعالى:
﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15].
وعليه فليس بين «المُقْسِط» و«القاسط» ترادف، بل هما مختلفان في المعنى.
على القول بثبوت الاسم، فـالمُقْسِط هو الذي اتصف بكمال العدل، فلا يحيف ولا يجور، ويعطي كل ذي حق حقه، ويجري أحكامه بين عباده بالعدل والقسط.
وقد ذكر الشيخ صالح آل الشيخ أن «المُقْسِط» يدل على العدل، بل إن دلالته أخص وأقوى من مجرد لفظ «العادل»، لأن الإقساط يتضمن معنى العدل وإيصال القسط إلى مستحقه.
ذهب بعض الباحثين إلى عدم عدِّ «المُقْسِط» اسمًا من أسماء الله الحسنى؛ لأن باب أسماء الله تعالى توقيفي، فلا يثبت الاسم بمجرد الاشتقاق من فعل أو مصدر ورد في النص، بل لا بد من ورود الدليل الذي يدل على إطلاق الاسم على الله تعالى.
وهذا هو وجه التوقف: فقول الله تعالى:
﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
يدل على مدح المقسطين وإثبات صفة العدل والقسط، لكنه لا يأتي بصيغة: «إن الله هو المقسط» على نحو صريح.
ومن هنا رجح بعض أهل العلم عدم الجزم بإثباته اسمًا، مع إثبات صفة العدل والقسط لله تعالى.
«المُقْسِط» من الأسماء التي أثبتها جماعة من العلماء لله تعالى، واستدلوا بما ورد في القرآن والسنة، ومعناه: الكامل في العدل والقسط.
لكن اختلف العلماء في ثبوته اسمًا؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، والنصوص الواردة تثبت معنى القسط والعدل، ولا تأتي في القرآن بصيغة صريحة مثل: «المُقْسِط من أسماء الله».
وعليه، فالأحوط في باب الأسماء الاقتصار على ما ثبت بدليل صريح، مع الإيمان بأن الله تعالى متصف بكمال العدل والقسط، وأنه لا يظلم أحدًا.
والله أعلم.