الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
هاتان الجملتان ثابتتان عن النبي ﷺ، ولا تعارض بينهما وبين بقية نصوص الكتاب والسنة، لأن أهل السنة يجمعون بين جميع الأدلة ولا يأخذون ببعضها دون بعض.
أولًا: معنى قوله ﷺ: «لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»
المقصود بهذا الحديث أن صاحب الإيمان لا يخلد في النار خلود الكافرين، وإن دخلها بسبب بعض الكبائر التي مات عليها دون توبة.
فالمؤمن العاصي إن شاء الله عفا عنه ابتداءً، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم يخرجه من النار برحمته أو بشفاعة الشافعين، فلا يبقى في النار أبدًا من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان.
ولهذا جاءت أحاديث الشفاعة مبينة أن عصاة الموحدين يخرجون من النار، ويبقى الخلود الأبدي خاصًا بالكفار.
ثانيًا: معنى قوله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»
ليس معنى الحديث أن كل من وقع في الكبر يخلد في النار أو يحرم من الجنة أبدًا، وإنما معناه أنه لا يدخل الجنة ابتداءً مع السابقين إليها إذا استحق العقوبة، بل قد يعاقب أولًا ثم يدخل الجنة، أو يعفو الله عنه ابتداءً.
أما الكبر المذكور في الحديث فقد فسره النبي ﷺ بقوله:
«الكبر بطر الحق وغمط الناس»
أي: رد الحق تكبرًا، واحتقار الناس وازدراؤهم.
وليس من الكبر أن يحب الإنسان حسن ملبسه أو نعله أو هيئته؛ فإن الله جميل يحب الجمال.
كيف يجمع أهل السنة بين الحديثين؟
أهل السنة يجمعون بين نصوص الوعد والوعيد، فيقررون أن:
وبذلك تنتظم جميع النصوص الشرعية دون تعارض.
الخلاصة
حديث «لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» معناه: لا يخلد في النار خلود الكافرين، وإن دخلها بذنوبه. وحديث «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» معناه: لا يدخلها ابتداءً إن استحق العقوبة حتى يطهر من ذنبه أو يعفو الله عنه. وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في الجمع بين نصوص الوعد والوعيد.
والله أعلم