احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه توحيد الالوهيه في الاسلام 1071 2026-09-03

ما معنى ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾؟ وما صحة حديث توسل آدم بالنبي ﷺ؟

السؤال
ما المقصود بالوسيلة في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾؟ وهل تدل الآية على التوسل إلى الله بالأنبياء والأولياء؟ وما صحة الحديث الذي يروى أن آدم عليه السلام لما أخطأ توسل إلى الله بالنبي محمد ﷺ فغفر الله له؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الوسيلة في الآية هي ما يتقرب به العبد إلى الله من الإيمان والطاعة والعمل الصالح واتباع رسوله ﷺ، وهذا هو التفسير المنقول عن جمهور المفسرين. أما الحديث الذي يروى أن آدم عليه السلام توسل بالنبي محمد ﷺ بعد وقوعه في الخطيئة، فلا يثبت عند المحققين من أهل الحديث، وقد ضعفه الإمام البيهقي نفسه.

أولًا: ما صحة حديث توسل آدم بالنبي ﷺ؟

يروى حديث بمعنى أن آدم عليه السلام لما وقع في الخطيئة قال: «يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي»، وأنه عرف النبي محمدًا ﷺ قبل خلقه.

لكن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ، وقد حكم عليه عدد من أهل الحديث بالضعف الشديد أو الوضع.

ومن المهم هنا تصحيح ما يقال عن الإمام البيهقي؛ فالبيهقي لم يصحح الحديث، وإنما رواه في كتاب «دلائل النبوة»، ثم قال:

«تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف».

فمجرد رواية البيهقي للحديث في كتابه لا تعني أنه صححه.

وكذلك ثناء الإمام الذهبي على كتاب من الكتب لا يعني تصحيح جميع الأحاديث الموجودة فيه؛ فالحكم على كل رواية يكون بحسب إسنادها وأحوال رواتها.

ما الدعاء الثابت عن آدم عليه السلام؟

القرآن نفسه أخبرنا بالدعاء الذي دعا به آدم وزوجه بعد الخطيئة، فقال تعالى:

﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[الأعراف: 23]

وقال سبحانه:

﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
[البقرة: 37]

فالقرآن يبين توبة آدم عليه السلام وتضرعه إلى الله واعترافه بذنبه وطلبه المغفرة والرحمة منه سبحانه.

ولهذا لا يصح ترك النص القرآني الثابت وبناء حكم شرعي على رواية لم تثبت.

ثانيًا: ما معنى «الوسيلة» في القرآن؟

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[المائدة: 35]

الوسيلة في أصل اللغة هي ما يتوصل به الإنسان إلى مقصوده.

والمقصود بها في هذه الآية: التقرب إلى الله بما يحبه ويرضاه من الإيمان والطاعات والأعمال الصالحة، مع اجتناب معاصيه.

وقد نُقل هذا المعنى عن عدد من السلف، ومنهم ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم.

ونقل ابن كثير عن قتادة في تفسيرها:

«تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه».

فالسياق نفسه يتحدث عن التقوى والجهاد والطاعة، وهي الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله.

اتباع النبي ﷺ من أعظم الوسائل إلى الله

التقرب إلى الله لا يكون بمجرد ما يراه الإنسان حسنًا، وإنما يكون بالطريق الذي شرعه الله وأرسل به رسوله ﷺ.

قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
[آل عمران: 31]

فمن أعظم الوسائل إلى الله: الإيمان بالنبي ﷺ، ومحبته، وتصديقه، واتباع سنته وطاعته.

وبهذا المعنى يكون النبي ﷺ أعظم سبب لهداية الناس إلى الله؛ لأنه دلهم على الطريق الذي يحبه الله ويرضاه.

هل الآية دليل على التوسل بذوات الأنبياء والصالحين؟

الآية لا تقول: «توسلوا إليَّ بذوات الأنبياء أو الأولياء»، وإنما تأمر المؤمنين بابتغاء الوسيلة إلى الله.

ولهذا يرى أصحاب هذا التفسير أن الاستدلال بها على التوسل بمجرد ذات شخص أو جاهه ليس هو المعنى الذي نقله المفسرون عن السلف في تفسير الآية.

فالتوسل الذي تدل عليه الآية هو التقرب إلى الله بالطاعات التي شرعها.

ومن ذلك: الدعاء، والصلاة، والصدقة، والتوبة، والإيمان، ومحبة الله ورسوله، واتباع النبي ﷺ وسائر الأعمال الصالحة.

معنى الوسيلة في قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾

قال سبحانه:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾
[الإسراء: 57]

فالآية تبين أن الذين يُدعون من دون الله هم أنفسهم يطلبون القرب من الله، ويرجون رحمته ويخافون عذابه.

وهذا يؤكد أن المقصود بالوسيلة هنا هو طلب القرب من الله وطاعته ورضوانه.

تنبيه مهم حول معنى التوسل

ينبغي التفريق بين صور مختلفة يطلق عليها لفظ «التوسل».

فالتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، وبالإيمان والعمل الصالح، من التوسل المشروع.

وكذلك طلب الدعاء من مسلم حي قادر على الدعاء أمر ثابت في السنة.

أما التوسل بمجرد جاه شخص أو ذاته، فهو مسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، ولا يصح جعل آية ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ نصًا صريحًا في هذه الصورة؛ لأن تفسير السلف المذكور للوسيلة هو التقرب إلى الله بالطاعة والعمل الذي يرضيه.

وهذا أيضًا يختلف عن دعاء غير الله وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله منه؛ فهذه مسألة أخرى تتعلق بصرف الدعاء والعبادة.

الخلاصة

قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ معناه: اطلبوا القرب من الله بما شرعه من الإيمان والطاعة والعمل الصالح واتباع رسوله ﷺ.

ولا تعد الآية في نفسها دليلًا صريحًا على التوسل بمجرد ذوات الأنبياء والأولياء أو جاههم.

أما قصة توسل آدم عليه السلام بالنبي محمد ﷺ بعد الخطيئة، فحديثها لا يثبت، والبيهقي الذي رواه أشار إلى ضعف راويه. والثابت في القرآن أن آدم وزوجه تابا إلى الله وقالا:

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

والله أعلم