الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
دلت نصوص القرآن والسنة على أن الله تعالى يكلم من يشاء من ملائكته مباشرة، فيسمعون كلامه ويفهمون أمره، كما أنه سبحانه قد يوحي إلى الملائكة بما يشاء. فالأمران ثابتان من حيث الأصل، ولا تعارض بينهما.
الله تعالى يخاطب الملائكة مباشرة
من أوضح الأدلة قول الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
[البقرة: 30]
ثم قال سبحانه:
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 30]
ثم خاطبهم مرة أخرى فقال:
﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
[البقرة: 31]
فأجابوا:
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
[البقرة: 32]
وهذه الآيات تدل على خطاب وقع بين الله تعالى وملائكته؛ خاطبهم سبحانه، ففهموا كلامه وأجابوه.
الله تعالى يكلم جبريل عليه السلام
ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال:
«إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه».
فيحب جبريل ذلك العبد، ثم ينادي في أهل السماء أن الله يحبه فيحبونه.
[رواه البخاري ومسلم]
فالحديث يدل على أن الله تعالى يخاطب جبريل ويأمره، ثم يقوم جبريل بما أمره الله به ويبلغه إلى الملائكة.
ماذا يحدث للملائكة عندما يسمعون كلام الله؟
قال النبي ﷺ:
«إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير»
[رواه البخاري]
وجاء أيضًا:
«إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا...»
[رواه أبو داود]
ثم يسألون جبريل عليه السلام:
«ماذا قال ربك؟»
فيقول:
«الحق».
فهذه النصوص تدل -بحسب ما قررته الفتوى- على أن كلام الله مسموع لمن شاء الله أن يسمعه من ملائكته، وأن سماعهم لكلامه يورثهم الخضوع والخشية.
كلام الله لا يشبه كلام المخلوقين
إثبات أن الله يتكلم وأن ملائكته يسمعون كلامه لا يعني أن كلام الله يشبه كلام البشر.
قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
فصفات الله تعالى تليق بجلاله وكماله، وصفات المخلوقين تليق بهم، ولا يلزم من الاشتراك في الاسم التشابه في الحقيقة والكيفية.
وقد ذكر الإمام البخاري أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، وأن صفات الله ليس لها ند ولا مثل.
هل يوحي الله إلى الملائكة أيضًا؟
نعم.
قال الله تعالى:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾
[الأنفال: 12]
فقد وصف الله سبحانه ما أوصله إلى الملائكة هنا بأنه وحي.
واختلف أهل العلم في كيفية هذا الوحي؛ فمنهم من قال: يحتمل أن يكون كلامًا مسموعًا، ويحتمل أن يكون إلهامًا يلقيه الله في قلوب الملائكة فيفهمون مراده.
وقال الشنقيطي رحمه الله إن وحي الله إلى الملائكة يمكن أن يكون وحي إلهام أو وحي إعلام.
وذهب بعض العلماء إلى أن المقصود في هذه الآية إلقاء المعنى في قلوب الملائكة دون أن يكون خطابًا مسموعًا.
فالآية تثبت أصل الوحي إليهم، أما كيفيته في كل موضع فتتبع ما يدل عليه النص.
ما الفرق بين الكلام المباشر والوحي إلى الملائكة؟
ليس كل وحي يلزم أن تكون كيفيته واحدة.
فقد يخاطب الله بعض ملائكته بكلام يسمعونه مباشرة، كما في النصوص السابقة.
وقد يوحي إليهم بما يشاء على وجه آخر من وجوه الإعلام والإلهام.
ولهذا لا تعارض بين أن نقول:
الله يكلم الملائكة
وبين أن نقول:
الله يوحي إلى الملائكة.
فكلاهما ورد في النصوص.
كيف تلقى جبريل القرآن؟
بحسب ما نقلته الفتوى عن أئمة السلف، فإن جبريل عليه السلام سمع القرآن من الله تعالى، ثم بلغه إلى النبي ﷺ.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾
[التوبة: 6]
ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله قوله:
«فجبريل سمعه من الله، وسمعه النبي ﷺ من جبريل، وسمعه أصحاب النبي من النبي».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن النبي ﷺ سمع القرآن من جبريل، وأن جبريل سمعه من الله عز وجل.
الخلاصة
الله تعالى يكلم من يشاء من ملائكته مباشرة، فيسمعون كلامه ويفهمون أمره، كما ثبت في خطابه للملائكة وفي كلامه مع جبريل عليه السلام.
كما أن الله تعالى يوحي إلى الملائكة، وقد يكون الوحي كلامًا مسموعًا، وقد يكون إعلامًا أو إلهامًا بحسب ما يدل عليه النص.
وبحسب ما قررته الفتوى، فإن جبريل عليه السلام تلقى القرآن من الله تعالى ثم بلغه إلى النبي محمد ﷺ.
وكل ذلك يثبت لله على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه كلامه أو صفاته بصفات المخلوقين.
والله أعلم