الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا حرج في قول «الحمد لله على وجود الله» إذا كان المقصود معنى صحيحًا، كحمد الله على أن لنا ربًا نعبده ونرجوه، أو استحضار أن الله موجود، يسمع ويرى ويعلم أحوال عباده، وأنه سبحانه لا يضيع حق المظلوم. ومع ذلك، فالأفضل استعمال الألفاظ الشرعية المأثورة في الحمد، وخاصة عند التعبير عن نعمة الإيمان والهداية.
ما المقصود عادة بهذه العبارة؟
غالبًا لا يقصد القائل مجرد تقرير حقيقة أن الله موجود، وإنما يريد ما يترتب على الإيمان بالله من الرجاء والطمأنينة.
فقد يقال لمن أصابته مصيبة: «الحمد لله، الله موجود»، أي أن الله يعلم حالك، ويرحمك ويجبر مصابك ويعوضك خيرًا.
وقد يقال للمظلوم: «الله موجود»، أي أن الله يرى ما وقع عليك، ويعلم ظلم من ظلمك، ولن يضيع عنده حق.
فإذا كان هذا هو المقصود، فهو معنى صحيح في نفسه.
الإخبار عن الله وإرادة ما يترتب عليه
جاء في القرآن استعمال بعض الأخبار عن الله لإفادة ما يترتب عليها من الطمأنينة والحفظ والنصر.
فعندما خاف موسى وهارون عليهما السلام من فرعون قال الله لهما:
﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾
[طه: 46]
فالمقصود ليس مجرد الإخبار بأن الله يسمع ويرى، بل يتضمن ذلك طمأنتهما بأنهما في حفظه ورعايته وأن ما يفعله فرعون لن يخفى عليه.
وقال تعالى:
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾
[العلق: 14]
وفي الآية تهديد لمن ينهى عن الصلاة؛ لأن الله يراه ويعلم فعله وسيحاسبه عليه.
وبهذا المعنى يمكن فهم قول شخص عند الشدة: «الحمد لله، الله موجود».
معنى أعمق لعبارة «الحمد لله على وجود الله»
قد يقصد الإنسان بالعبارة معنى أوسع، وهو: الحمد لله أن لنا ربًا نعبده ونلجأ إليه ونفتقر إليه، وأنه هدانا إلى معرفته والإيمان به.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
[فاطر: 15]
فالإنسان مفتقر إلى ربه في وجوده وحياته وهدايته ورزقه وجميع شؤونه.
ومن أعظم النعم كذلك أن يهدي الله الإنسان إلى معرفته وتوحيده وعبادته، فلا يبقى في حيرة الشرك والضلال.
فإذا كان هذا هو مراد القائل، فلا حرج في العبارة من حيث معناها.
هل «وجود الله» نعمة يُحمد الله عليها؟
ينبغي فهم العبارة على وجهها الصحيح؛ فوجود الله سبحانه ليس أمرًا حادثًا أو نعمة نشأت بعد أن لم تكن، فالله سبحانه لم يزل ولا يزال موجودًا.
وإنما الحمد هنا يرجع إلى ما أنعم الله به على العبد من معرفته والإيمان به وعبادته والافتقار إليه، وما يترتب على ذلك من الهداية والرجاء والطمأنينة.
ولهذا تكون العبارات المأثورة في التعبير عن نعمة الهداية أوضح وأدق.
ما العبارة الأفضل؟
من أجمل ما ورد في القرآن قول أهل الجنة:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾
[الأعراف: 43]
وثبت أن النبي ﷺ كان يقول:
«وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا»
رواه البخاري ومسلم.
فيجوز للإنسان أن يحمد الله على نعمة الإيمان والهداية ومعرفة ربه، وهذه تعبيرات أوضح في بيان المقصود.
بل إن قول الإنسان ببساطة:
«الحمد لله»
من أعظم الذكر وأجمعه، وقد قال النبي ﷺ:
«الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ»
رواه مسلم.
الخلاصة
يجوز قول «الحمد لله على وجود الله» إذا أريد بها معنى صحيح، كحمد الله على نعمة معرفته والإيمان به وعبادته، أو استحضار أن الله يسمع ويرى ويعلم حال عباده، فيطمئن المظلوم والمبتلى إلى عدله ورحمته.
لكن الأدق والأفضل استعمال العبارات الشرعية الواضحة، مثل: «الحمد لله الذي هدانا»، أو «الحمد لله على نعمة الإيمان والهداية»، أو الاكتفاء بقول «الحمد لله».
والله أعلم