الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
رؤية الملائكة في صورة بشرية قد تقع لبعض الناس إذا شاء الله، لكن لا يُشرع للمسلم أن يتخذ رؤية الملائكة أو التحدث إليهم مطلبًا يدعو الله به؛ لأن النبي ﷺ لم يرشد إلى ذلك، ولم يُعرف عن الصحابة والسلف أنهم كانوا يسألون الله هذه الرؤية. والأولى للمسلم أن يسأل الله الهداية والاستقامة والجنة والنجاة من النار، فهذه هي المطالب التي دل عليها الشرع.
هل يمكن لغير الأنبياء رؤية الملائكة؟
قد تقع رؤية الملائكة لبعض الناس إذا تمثلوا في صورة بشرية.
ومن ذلك ما رواه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:
«لَقَدْ رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ عَنْهُ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ»
[رواه مسلم]
وقد ذكر العلماء أن الرجلين كانا من الملائكة.
وثبت كذلك أن بعض الصحابة رأى جبريل عليه السلام عندما تمثل في هيئة رجل.
فأصل إمكان رؤية الملائكة في صورة بشرية ثابت.
هل رؤية الملائكة كرامة مطلوبة؟
قد تكون رؤية الملائكة من الكرامات التي يختص الله بها بعض عباده، لكنها ليست غاية شرعية يُطلب من المسلم السعي إليها.
فالكرامة إن وقعت للعبد الصالح فهي فضل من الله، لكن المسلم لم يُكلَّف بطلب الخوارق أو البحث عن الأمور غير المعتادة.
والأصل أن يكون اهتمامه بما أمره الله به من الإيمان والطاعة والاستقامة.
لماذا لا يُشرع الدعاء برؤية الملائكة؟
بحسب الفتوى، لا يُعرف أن النبي ﷺ علم أمته أن تدعو بذلك، ولا أن الصحابة ومن بعدهم من السلف كانوا يسألون الله رؤية الملائكة أو محادثتهم.
ولهذا فالأولى اتباع ما ثبت عنهم، وعدم جعل أمر لم يرشد إليه الشرع هدفًا تعبديًا.
كما أنه لا تظهر مصلحة شرعية يحتاج المسلم من أجلها إلى رؤية ملك.
فالإيمان بالملائكة يحصل بما أخبر الله ورسوله ﷺ عنهم، ولا يتوقف على مشاهدتهم.
ماذا سيرى الإنسان لو ظهر له الملك؟
الملك إذا ظهر لغير الأنبياء في الدنيا فقد يتمثل في صورة بشرية.
قال الله تعالى عن جبريل عليه السلام حين جاء إلى مريم:
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾
[مريم: 17]
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾
[الأنعام: 9]
فلو رأى الإنسان ملكًا متمثلًا في صورة رجل، فقد لا يستطيع بمجرد النظر أن يعرف أنه ملك.
ولهذا لا توجد فائدة لازمة في طلب مثل هذه الرؤية.
هل يمكن أن يؤدي البحث عن هذه الأمور إلى الوهم أو الفتنة؟
نعم، وهذا من الأسباب التي تجعل الاشتغال بطلب مثل هذه التجارب أمرًا غير محمود.
فالإنسان قد يرى شيئًا أو يشعر بشيء ثم يظن أنه ملك، مع أنه لا يملك دليلًا على ذلك.
وقد يُفتح بهذا الباب مجال للوهم أو للخداع، بل ذكر أهل العلم أن الشياطين قد تظهر لبعض الناس في صور توهمهم أنها من الملائكة أو من الصالحين، فيقعون بسبب ذلك في الفتنة.
لذلك لا ينبغي بناء الدين أو اتخاذ القرارات الشرعية على تجارب غيبية شخصية غير منضبطة بالوحي.
ما الكرامة التي ينبغي للمسلم أن يطلبها؟
أعظم ما يُكرم الله به عبده أن يوفقه إلى الإيمان والاستقامة والطاعة.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«غَايَةُ الْكَرَامَةِ لُزُومُ الِاسْتِقَامَةِ».
فالثبات على الصلاة، والتوبة، وحسن الخلق، وترك المعاصي، وزيادة الإيمان، أعظم نفعًا للعبد من البحث عن رؤية الملائكة أو غيرها من الأمور الخارقة.
ماذا يسأل المسلم ربه بدلًا من ذلك؟
الأفضل أن يدعو بما كان النبي ﷺ يكثر منه وما دل عليه القرآن والسنة، مثل:
طلب الهداية والثبات على الدين، ومغفرة الذنوب، والجنة، والنجاة من النار، وصلاح القلب والعمل، وحسن الخاتمة.
فهذه مطالب تنفع الإنسان في دنياه وآخرته، وقد أرشد إليها الوحي بوضوح.
الخلاصة
قد يرى بعض الناس الملائكة إذا تمثلوا في صور بشرية، إذا شاء الله ذلك، لكن لا يُشرع للمسلم أن يتخذ رؤية الملائكة أو التحدث إليهم مطلبًا يدعو الله به.
فهذا لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة والسلف، ولا تتوقف عليه مصلحة دينية.
والأفضل للمسلم أن يطلب من الله ما ينفعه حقيقة: الهداية، والاستقامة، والثبات على الطاعة، والجنة، والنجاة من النار.
أما الكرامات والخوارق، فإن وقعت من غير طلب فهي فضل من الله، ولا ينبغي أن تصبح غاية يتتبعها الإنسان.
والله أعلم