الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
دين الإسلام كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وكماله من آثار كمال الله تعالى؛ لأنه الدين الذي شرعه الله، وهو سبحانه كامل في علمه وحكمته ورحمته وعدله وقدرته.
أخبر الله تعالى عن كمال هذا الدين بقوله:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾
[المائدة: 3].
وقال سبحانه:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[الأنعام: 115].
وبيّن ابن كثير رحمه الله أن معنى تمام كلمة الله أنها صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام؛ فما أخبر الله به فهو حق لا شك فيه، وما أمر به فهو العدل، وما نهى عنه فإنما نهى عن مفسدة.
فالإسلام كامل في عقائده وأخباره وشرائعه وأحكامه، وليس فيه نقص يحتاج إلى أن يستدركه أحد أو يكمله.
القول بأن كمال الدين ثابت لأنه صادر عن الله الكامل في صفاته قول صحيح؛ فالله تعالى كامل العلم والحكمة والرحمة والعدل والقدرة، ومن ثم جاءت شريعته مشتملة على ما يحقق مصالح العباد ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم.
قال الله تعالى:
﴿وَقُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
[الفرقان: 6].
وقال سبحانه:
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾
[النمل: 6].
فالقرآن مشتمل على أخبار الماضي والمستقبل، وهذه الأخبار لا تكون كاملة إلا إذا كانت صادقة مطابقة للواقع، وقد أنزله الله الذي أحاط علمه بالسر والعلن.
وكذلك أحكام الشريعة لا تكون في غاية الكمال إلا إذا صدرت عن مشرّع كامل العلم والحكمة؛ فلا يشرع إلا ما فيه مصلحة، ولا يحرم إلا ما فيه مفسدة، ولا تتناقض أحكامه.
قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
[النساء: 82].
وقال سبحانه:
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
[فصلت: 41-42].
كمال الإسلام لا يقتصر على العقائد والأحكام، بل يشمل ما وعد الله به أهل الطاعة وما توعد به أهل المعصية.
فالبشارة بالنعيم مناسبة للعمل الصالح، والإنذار بالعذاب قائم على العدل، والله تعالى كامل الرحمة والعدل، كما أنه كامل القدرة على إنفاذ ما وعد به وتوعد به.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[الشعراء: 191-192].
وقال سبحانه:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
[غافر: 2-3].
وقال تعالى:
﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾
[الزمر: 20].
وقال سبحانه:
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾
[آل عمران: 108].
فهذه المعاني كلها تدل على أن كمال الدين مرتبط بكمال من شرعه سبحانه؛ فالله كامل في علمه وحكمته، كامل في رحمته وعدله، كامل في عزته وقدرته وملكه، ولذلك جاءت شريعته في غاية الكمال.
نعم، يصح القول بأن كمال دين الإسلام من كمال الله تعالى في صفاته؛ فالله سبحانه كامل في علمه وحكمته ورحمته وعدله وقدرته، ولذلك شرع لعباده دينًا كاملًا لا نقص فيه.
فالإسلام كامل في عقائده وأخباره وشرائعه وأحكامه ووعده ووعيده، وهذا من آثار كمال علم الله وحكمته ورحمته وعدله.
والله أعلم.