الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
هذه الشبهة لا تصح؛ فثبوت علو الله تعالى على خلقه دل عليه الكتاب والسنة وإجماع أئمة أهل السنة، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ من الأدلة التي استدل بها العلماء على علو الله وفوقيته. وكون الكلام عَرَضًا لا يمنع من صعوده؛ لأن النص أخبر بذلك، ولأن الأعراض قد توصف بالصعود والانتقال والوزن بحسب ما يخلقه الله تعالى فيها من الكيفيات.
علو الله تعالى على خلقه ثابت بأدلة كثيرة من القرآن والسنة، وبما عليه أئمة أهل السنة، وهو أمر دل عليه أيضًا العقل والفطرة.
ومن الأدلة القرآنية قوله تعالى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾
[فاطر: 10].
فالآية أخبرت بصعود الكلم الطيب إليه سبحانه.
وقد استدل بهذه الآية عدد من الأئمة على علو الله تعالى، ومنهم أبو الحسن الأشعري، والبيهقي، وابن خزيمة، وأبو القاسم الأصفهاني، وابن بطة، وعبد القادر الجيلاني، والذهبي وغيرهم.
وهذا يدل على أن فهم الآية على إثبات العلو لم يكن أمرًا مستحدثًا، بل هو من وجوه الاستدلال المعروفة عند طائفة من أئمة السنة.
جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه تفسير لهذه الآية، حيث ذكر أن العبد إذا قال: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله» أخذهن مَلَك، فضمهن تحت جناحه وصعد بهن، ولا يمر بهن على جماعة من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يأتي بهن وجه الرحمن، ثم قرأ ابن مسعود:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾
[فاطر: 10].
وقد روي هذا الأثر عن ابن مسعود في عدد من كتب التفسير والحديث، وحسنه أهل العلم، وهو يوافق ظاهر الآية في أن الكلم الطيب يصعد إلى الله بواسطة الملك.
فلا وجه لصرف الآية عن ظاهرها لمجرد دعوى أن الكلام عَرَض.
الجواب: لا.
فمجرد وصف الكلام بأنه عَرَض لا يستلزم استحالة صعوده؛ لأن الحكم على الأعراض بأنها لا تقبل الانتقال أو الصعود بإطلاق ليس قاعدة لازمة.
بل جاءت النصوص بإثبات أمور تتعلق بالأعمال والأقوال، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
«كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ»
رواه البخاري ومسلم.
فالأقوال والأعمال يتعلق بها الوزن يوم القيامة، وقد جاءت النصوص في ذلك، فلا يصح أن يقال إن وصف الشيء بأنه عَرَض يجعله ممتنعًا عن كل انتقال أو صعود أو تعلق بغيره.
والله تعالى أعلم بكيفيات هذه الأمور، ولا يصح أن نجعل تصوراتنا العقلية عن طبيعة الأعراض حاكمة على النصوص الثابتة.
ولو قيل إن الكلام لا يصعد لأنه عَرَض، لكان هذا الإشكال لا يختص بالكلام؛ فقد أخبر الله تعالى أيضًا عن صعود الملائكة:
﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾
[المعارج: 4].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الملائكة الذين يتعاقبون على العباد:
«ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ»
رواه البخاري ومسلم.
فالملائكة تصعد إلى الله تعالى، كما أخبر بذلك القرآن والسنة.
والمقصود أن إثبات الصعود والعروج لا يتوقف على كون الشيء من نوع معين من الموجودات، بل المرجع في ذلك إلى ما أخبر الله ورسوله به.
الإشكال الحقيقي في هذه الشبهة هو جعل تقسيم المتكلمين للأشياء إلى «جواهر وأعراض» ثم بناء أحكام لازمة عليها، ثم رد ظاهر النصوص إذا خالف تلك القواعد.
أما أهل السنة فيؤمنون بما أخبر الله به ورسوله، ويثبتون علو الله تعالى وصعود الكلم الطيب إليه كما جاء في النص، من غير تكييف ولا تمثيل.
فلا نقول: كيف يصعد؟ وما كيفية هذا الصعود؟ لأن كيفية ما أخبر الله به من أمور الغيب لا يعلمها إلا الله.
كما لا يصح أن يقال: إن مجرد كون الكلام عَرَضًا يستلزم بطلان صعوده؛ فهذا الاستلزام نفسه يحتاج إلى دليل، وقد أبطلته النصوص الدالة على تعلق الأوصاف والأحكام بالأعمال والأقوال.
القول بأن الكلام عَرَض، ولذلك يستحيل صعوده إلى الله تعالى، شبهة غير صحيحة.
فقوله تعالى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾
نص في صعود الكلم الطيب، وقد استدل بها أئمة من أهل السنة على علو الله تعالى وفوقيته.
وكون الكلام عَرَضًا لا يمنع من صعوده؛ فالعبرة بما أخبر الله ورسوله، لا بالقواعد الكلامية التي تجعل طبيعة الأعراض مانعًا من ذلك.
فالواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، والإيمان بعلوه سبحانه، وإثبات صعود الكلم الطيب إليه، مع تنزيهه عن مماثلة المخلوقين وعدم الخوض في كيفية ذلك.
والله أعلم.