الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
القول بأن الله تعالى يحب الجميع ولا يبغض أحدًا قول غير صحيح؛ فقد أثبت الله لنفسه المحبة والبغض والرضا والسخط، وأخبر عن أقوام يحبهم وأقوام لا يحبهم. والمؤمن العاصي قد يكون محبوبًا من جهة إيمانه وطاعته، ومبغوضًا من جهة معصيته، فلا يلزم أن تكون المحبة والبغض متوجهين إلى الشخص من كل وجه.
المحبة والبغض من الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه، ولا يجوز إنكارها بحجة أنها من صفات المخلوقين؛ فاشتراك الخالق والمخلوق في أصل اللفظ لا يعني التماثل في الحقيقة والكيفية.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
وقال سبحانه:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 76].
وقال:
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
وقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
وقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42].
وفي المقابل أخبر سبحانه عن أقوام لا يحبهم، فقال:
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276].
وقال:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 32].
وقال:
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 57].
وقال:
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: 23].
وقال:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
فهذه النصوص تبين بوضوح أن الله تعالى يحب أقوامًا، ولا يحب أقوامًا، وأن المحبة ليست عامة لجميع الخلق على درجة واحدة.
ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ...»
ثم ذكر النبي ﷺ أن أهل السماء يحبونه ويوضع له القبول في الأرض.
وفي المقابل قال ﷺ:
«وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ...»
رواه مسلم (2637).
وثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال:
«إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ»
رواه البخاري (2457)، ومسلم (2668).
كما قال ﷺ:
«وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ»
رواه الترمذي (2002)، وصححه الألباني.
فليس صحيحًا أن البغض لا يوصف به الله تعالى، بل ثبت ذلك في الكتاب والسنة.
هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل.
المؤمن العاصي قد يكون محبوبًا من وجه، ومبغوضًا من وجه آخر.
فهو محبوب من جهة إيمانه وتوحيده وما عنده من الطاعات والخير، ومبغوض من جهة معصيته وما يقع منه من المخالفات.
فليس المؤمن الذي يجمع بين الطاعة والمعصية كالمؤمن التقي الذي استقام على الطاعة، كما قال الله تعالى:
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28].
وقال سبحانه:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].
فالمؤمن العاصي لا يُحكم له بأنه محبوب من جميع الوجوه، كما لا يُحكم عليه بأنه مبغوض من جميع الوجوه ما دام معه أصل الإيمان.
ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه يحب توبتهم ورجوعهم إليه.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222].
فإذا أذنب العبد ثم تاب وأناب، كان من أهل محبة الله تعالى.
وهذا يبين خطأ من يتعامل مع محبة الله وكأنها وصف ثابت لكل شخص على الإطلاق، دون نظر إلى إيمانه وطاعته ومعصيته.
لا يصح القول إن الله تعالى يحب جميع الناس ولا يبغض أحدًا؛ فقد أثبت الله لنفسه المحبة والبغض، وأخبر عن الذين يحبهم والذين لا يحبهم.
والكافر لا يحبه الله تعالى، والمؤمن التقي محبوب عند الله بقدر ما معه من الإيمان والتقوى والطاعة.
أما المؤمن العاصي، فهو محبوب من جهة إيمانه وطاعته، ومبغوض من جهة معصيته؛ ولهذا لا يستوي عند الله المؤمن المطيع التقي والمؤمن المفرط العاصي.
كما أن الله تعالى يحب توبة عباده ورجوعهم إليه، ويدعوهم إلى التوبة والإنابة.
والله أعلم.