الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا يلزم من حمل الملائكة للعرش أن تكون حاملةً لله تعالى، ولا أن الله محتاج إلى العرش أو إلى حملة العرش؛ فالله سبحانه فوق عرشه، غني عن جميع خلقه، والعرش وحملته مخلوقون بقدرته، وإنما يحمل الملائكة العرش بقوة الله وإرادته وإعانته.
دلت نصوص الكتاب والسنة على علو الله تعالى فوق خلقه، وأنه سبحانه مستوٍ على عرشه على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه ولا تكييف.
قال تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5].
وقال سبحانه:
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: 4].
فالعرش مخلوق، والله تعالى غني عنه وعن سائر خلقه، ولا يحتاج في علوه إلى شيء من المخلوقات.
أخبر الله تعالى أن للعرش ملائكة يحملونه، فقال سبحانه:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: 7].
وقال تعالى:
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17].
وثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
«أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ».
رواه أبو داود (4727)، وصححه الألباني.
وقد ورد أن حملة العرش اليوم أربعة، ويوم القيامة يكونون ثمانية، وهو قول جماعة من أهل التفسير، وإن كانت بعض الآثار الواردة في تحديد عددهم اليوم تحتاج إلى النظر في أسانيدها.
هذه الشبهة مبنية على تصور غير لازم، وهو أن من حمل العرش لا بد أن يحمل من فوقه.
وهذا ليس لازمًا حتى في المخلوقات؛ فقد يحمل الإنسان سقفًا أو شيئًا قائمًا بذاته، ولا يلزم أن يحمل كل ما يوجد فوقه، ما لم يكن ذلك الشيء معتمدًا عليه.
فمجرد كون الملائكة يحملون العرش لا يقتضي أنهم يحملون الله تعالى.
والله سبحانه هو الذي خلق العرش، وخلق الملائكة، وخلق فيهم القوة التي تمكنهم من حمله، فلا يكون سبحانه محتاجًا إليهم بأي وجه.
الله تعالى غني عن كل ما سواه، وهو خالق كل شيء، ولا قيام لشيء من خلقه إلا بإمداده وقدرته.
قال تعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255].
فحملة العرش لا يحملونه بقوتهم المستقلة، وإنما يحملونه بقدرة الله وإعانته ومشيئته.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الله سبحانه هو الذي يخلق المخلوق وقوته وفعله، وأن الملائكة لا يحملون العرش إلا بقدرته ومعونته، فليس في ذلك أي معنى لافتقار الله إلى خلقه.
وهذا هو الجواب عن أصل الشبهة: الله تعالى هو الغني، والخلق كلهم مفتقرون إليه، وليس العكس.
ينبغي التفريق بين العرش وبين من فوق العرش.
فالعرش مخلوق، وله خصائصه وأحكامه، وليس من لازم حمله حمل كل ما هو فوقه.
ولهذا لا يلزم من قوله تعالى:
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾
أن يكون الله تعالى محمولًا؛ فالآية أثبتت للملائكة حمل العرش، ولم تقل إنهم يحملون الله تعالى.
كما أن القول بأن الله تعالى محتاج إلى العرش أو إلى حملة العرش يناقض أصلًا عظيمًا من أصول التوحيد، وهو أن الله سبحانه الغني عن العالمين.
الله تعالى فوق عرشه، والعرش مخلوق، وحملته من الملائكة مخلوقون، ولا يلزم من حملهم للعرش أن يحملوا الله تعالى أو أن يكون سبحانه محتاجًا إليهم.
فالملائكة يحملون العرش بقدرة الله ومشيئته وإعانته، والله تعالى هو ربهم وخالقهم وخالق العرش، وهو الغني عن الجميع.
وبذلك يظهر أن شبهة: «أين يكون الله حين تحمل الملائكة العرش؟» مبنية على مقدمة غير لازمة؛ إذ لا يلزم من حمل المخلوق لشيء أن يكون حاملًا لكل ما فوقه.
قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: 68].
وقال سبحانه:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].
والله أعلم.