الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
القرآن كلام الله تعالى، وهو غير مخلوق، وما وصف الله به كلامه من صفات ثابتة له من حيث هو كلام الله لا يكون مخلوقًا؛ لأن الصفة تتبع الموصوف. وأما من توقف في المسألة ليسأل أهل العلم ويتثبت، فلا يكون بذلك شاكًّا أو كافرًا، بل سؤال أهل العلم عند عدم العلم هو الطريق المشروع.
القرآن العظيم كلام الله تعالى، والكلام صفة للمتكلم، وصفات الله تعالى ليست مخلوقة.
وقد وصف الله سبحانه القرآن بأوصاف متعددة، منها:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87].
وقال سبحانه:
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77].
وقال:
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1].
وقال تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42].
وقال سبحانه:
﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: 2].
وقال:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
فهذه الأوصاف تدل على ما اتصف به القرآن من العظمة والكرم والمجد والعزة والحكمة والبركة.
إذا كان المقصود الأوصاف الثابتة للقرآن باعتباره كلام الله تعالى، فهي غير مخلوقة؛ لأن الصفة تتبع الموصوف.
فالله تعالى غير مخلوق، وكلامه صفته، وكلامه غير مخلوق، وما وصف به كلامه من حيث كونه كلامه لا يُقال إنه مخلوق.
وهذا من جنس أن يقال: علم الله عظيم، وسمعه واسع، وقدرته كاملة؛ فهذه أوصاف متعلقة بصفات الله، وليست مخلوقات منفصلة عنه.
ومن هنا لا يصح أن يُقال: إن القرآن غير مخلوق، ثم يُجعل وصفه الثابت في الوحي من حيث هو وصف لكلام الله مخلوقًا.
أما من لم يتبين له وجه المسألة، فتوقف حتى يسأل أهل العلم، فلا حرج عليه في ذلك، ولا يكون مجرد هذا التوقف كفرًا ولا شكًّا في أصل العقيدة.
بل الواجب على من لا يعلم أن يسأل أهل العلم، وألا يتكلم في دين الله بغير علم.
قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
وقال سبحانه:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
فمن قال: «لا أعلم، وسأسأل أهل العلم»، فقد سلك طريقًا صحيحًا، وليس في ذلك ما يقتضي الكفر أو فساد الاعتقاد.
أما أن يتوقف الإنسان بقصد رد ما ثبت عن الله ورسوله ﷺ، أو يصر على إنكار الحق بعد قيام الحجة عليه، فهذه مسألة أخرى لا يصح جعلها مساوية لمجرد التوقف طلبًا للعلم.
ينبغي لطالب العلم أن يفرق بين السؤال النافع لطلب الفهم وبين الاسترسال في التدقيقات التي لا ثمرة لها، خصوصًا إذا تحولت إلى وساوس وشكوك متكررة.
فإذا عرف المسلم أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله وصفه بالعظمة والكرم والمجد والعزة والحكمة والبركة، ثم أراد أن يتثبت من تفاصيل المسألة بسؤال أهل العلم، فلا حرج عليه.
والأصل أن يطلب العلم بهدوء، وأن يرد ما أشكل عليه إلى أهل العلم، دون أن يجعل كثرة الاحتمالات والافتراضات سببًا للاضطراب في العقيدة.
القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، والأوصاف التي وصف الله بها القرآن من حيث هو كلامه، كالعظمة والكرم والمجد والعزة والحكمة والبركة، لا توصف بأنها مخلوقة.
ومن توقف في هذه المسألة حتى يسأل أهل العلم ويتثبت فلا يكون بذلك كافرًا ولا مجرد متوقفه شاكًّا في العقيدة، بل السؤال عند عدم العلم أمر مشروع، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
والله أعلم.