الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» رواه البخاري ومسلم.
وهذا النزول صفة ثابتة لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
وكذلك ثبتت صفة القرب لله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الذي تدعونه سميع قريب».
ولا تعارض بين الأمرين؛ لأن قرب الله المذكور في النصوص ليس نوعًا واحدًا.
1- قرب عام بالعلم والإحاطة
فالله سبحانه قريب من خلقه بعلمه وإحاطته وقدرته وسمعه وبصره، ولا يخفى عليه شيء من أحوالهم.
2- قرب خاص
وهو قرب يختص به بعض عباده، كالداعين والتائبين والمحسنين والعابدين، ويكون معه الإجابة والرحمة والتوفيق والعناية الخاصة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
نزول الله سبحانه في ثلث الليل الآخر هو نوع من هذا القرب الخاص العظيم في هذا الوقت الشريف المبارك؛ فهو سبحانه ينادي عباده، ويدعوهم إلى الدعاء والاستغفار، ويُظهر لهم سعة رحمته وكرمه.
ولهذا ذكر العلماء أن هذا الوقت من أعظم أوقات إجابة الدعاء وقبول التوبة.
فليس معنى كونه سبحانه قريبًا من عباده أنه لا ينزل، بل نزوله قرب خاص زائد على القرب العام. وكما أن الله مع عباده بعلمه دائمًا، ثم يخص المؤمنين بمعية خاصة من النصر والتأييد، فكذلك القرب.
الله سبحانه فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، وهو مع ذلك قريب من عباده كما يليق بجلاله. فعلوه سبحانه لا ينافي قربه، وقربه لا ينافي علوه؛ لأن الله ليس كمثله شيء.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء».
فالله سبحانه عالٍ على خلقه، قريب من عباده، يسمع دعاءهم ويرى أحوالهم، على وجه يليق بعظمته سبحانه.
نزول الله إلى السماء الدنيا ثابت في السنة الصحيحة، وقرب الله من عباده ثابت أيضًا، ولا تعارض بينهما. ونزوله سبحانه في ثلث الليل الآخر نوع من القرب الخاص العظيم، وهو وقت عظيم للدعاء والاستغفار وطلب المغفرة والرحمة.
والله سبحانه فوق عرشه، ومع ذلك قريب من عباده كما يليق بجلاله، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل.
والله أعلم.