الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
الإسلام يثبت وجود السنن والقوانين الكونية التي أودعها الله في الكون، كما يثبت أن هناك ملائكة موكلين بأعمال ومهام في هذا الكون بأمر الله تعالى، ولا تعارض بين الأمرين.
جاء في القرآن والسنة أن الله سبحانه جعل للملائكة وظائف ومهام، قال تعالى:
﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾
وقال سبحانه:
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾
وقد ذكر أهل العلم أن من الملائكة:
من هو موكل بالمطر والسحاب.
ومن هو موكل بالأرحام.
ومن هو موكل بالجبال.
ومن هو موكل بحفظ العباد.
وغير ذلك من الأعمال التي كلفهم الله بها.
فالملائكة جنود لله سبحانه، ينفذون أوامره ولا يعملون استقلالًا أو من تلقاء أنفسهم.
قال تعالى:
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
وجود الأسباب العلمية والسنن الطبيعية لا يتعارض مع كون الملائكة تقوم بأعمالها بأمر الله.
فمثلًا:
المطر له أسباب معروفة، كالتبخر والتكاثف والظروف الجوية.
والزلازل لها أسباب جيولوجية.
والرعد والبرق لهما أسباب وتفسيرات فيزيائية.
وهذه الأسباب كلها داخلة في خلق الله وتقديره وتدبيره، وإثبات الأسباب الطبيعية لا ينفي ما أخبر به الوحي من أعمال الملائكة في بعض هذه الأمور.
ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن ما يُذكر من الأسباب الطبيعية للرعد والبرق لا ينافي ما ورد في النصوص من ارتباط ذلك بالملائكة.
الموت مثال واضح على اجتماع الأمرين.
فقد يكون للموت سبب حسي ظاهر، كالمرض أو الحادث، وفي الوقت نفسه أخبرنا الوحي أن ملك الموت يقبض الروح عند انتهاء الأجل.
فوجود السبب الحسي لا ينفي السبب الغيبي الذي أخبر به الوحي.
وكذلك يمكن أن تكون للظواهر الكونية أسباب وقوانين يكتشفها العلم، مع وجود أمور غيبية متعلقة بها أخبرنا الله ورسوله ﷺ عنها.
لا؛ لأن مجال العلم التجريبي يختلف عن مجال الخبر الغيبي.
فالعلم التجريبي يدرس:
كيف تحدث الظواهر؟
وما الأسباب المادية المرتبطة بها؟
وما القوانين التي يمكن ملاحظتها وقياسها؟
أما الوحي فيخبرنا بأمور غيبية لا يمكن الوصول إليها بمجرد التجربة والملاحظة، ومنها وجود الملائكة والوظائف التي كلفهم الله بها.
فمعرفة الآلية المادية لحدوث الظاهرة لا تستلزم نفي ما وراءها من أمور غيبية ثبتت بالوحي.
الله سبحانه خلق الكون وجعل فيه سننًا وقوانين.
وأخبرنا الوحي أن هناك ملائكة موكلين بأعمال مختلفة بأمر الله.
وجود الأسباب والقوانين الطبيعية لا ينفي ما ثبت من أعمال الملائكة.
العلم التجريبي يبحث في الأسباب والآليات التي يمكن ملاحظتها وقياسها، بينما يخبرنا الوحي عن أمور الغيب.
الملائكة لا تدبر الكون استقلالًا، وإنما تقوم بما يأمرها الله به.
فالتدبير كله لله سبحانه وتعالى، والملائكة عباد مكرمون ينفذون ما يأمرهم الله به.
والله أعلم.