احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
شبهات حول الاسلام فتاوي عامه عن الاسلام 1189 2026-08-20

هل تُنسب صناعة السفن إلى الله تعالى رغم أن البشر هم من يصنعونها؟

السؤال
ورد في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: 42] فهل تدل هذه الآية على أن الله تعالى هو الذي خلق السفن، مع أن السفن يصنعها البشر بأيديهم؟ وكيف نفهم هذه الآية فهمًا صحيحًا؟
الإجابة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

جاءت هذه الآية الكريمة ضمن تعداد نعم الله تعالى على عباده، وتذكيرهم بآياته الدالة على قدرته ورحمته.

قال سبحانه:

﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ۝ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: 41-42]

وقد اختلف المفسرون في المقصود بقوله تعالى: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ على قولين مشهورين:

القول الأول: أن المراد السفن والمراكب

وهو قول مشهور عند المفسرين، أي أن الله تعالى خلق للناس من جنس الفلك ما يركبونه في البحار والأنهار.

وعلى هذا التفسير، تكون الآية تذكيرًا بنعمة الله على عباده فيما هيأ لهم من وسائل النقل والانتقال، وسخّر لهم المواد التي تُصنع منها السفن، ومنحهم القدرة والعلم اللازمين لصناعتها والانتفاع بها.

القول الثاني: أن المراد الإبل

ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ الإبل؛ لأنها وسيلة للركوب والنقل في البر، كما أن السفن وسيلة للركوب والنقل في البحر.

فشُبهت الإبل بالسفن من حيث حمل الناس وأمتعتهم والانتقال بهم من مكان إلى آخر.

كيف تُنسب صناعة السفن إلى الله مع أن البشر يصنعونها؟

قد يتساءل البعض: كيف أضاف الله خلق هذه الأشياء إلى نفسه، مع أن الإنسان هو الذي يصنع السفن بيده؟

والجواب أن الله سبحانه هو خالق الإنسان، وخالق قدرته وعقله، وخالق المواد التي تُصنع منها السفن من الأخشاب والحديد وغيرها.

فالإنسان لا يخلق السفينة من العدم، وإنما يستخدم مواد خلقها الله، ويجمعها ويشكلها بما منحه الله من عقل وقدرة وعلم.

قال الله تعالى:

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]

فالله سبحانه هو خالق الإنسان وخالق قدرته، وهو الذي خلق الأسباب والمواد التي يستطيع الإنسان استخدامها في أعماله وصناعاته.

تعليم الله للإنسان صناعة السفن

ومن أوجه تفسير نسبة ذلك إلى الله تعالى أنه سبحانه علّم الإنسان وأرشده إلى أسباب صناعة السفن.

وقد علّم الله نبيه نوحًا عليه السلام صناعة السفينة بوحي منه، فقال سبحانه:

﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37]

فالله سبحانه هو الذي خلق للإنسان العقل والقدرة والمواد، وهو الذي علّمه وأرشده إلى أسباب الانتفاع بها.

لا تعارض بين خلق الله وصناعة الإنسان

ينبغي التفريق بين خلق الله وصناعة الإنسان.

فالإنسان يصنع الأشياء بمعنى أنه يجمع المواد الموجودة ويشكلها ويركبها بطريقة معينة، أما الله سبحانه فهو خالق الإنسان نفسه وخالق المواد والقدرات والقوانين التي تجعل هذه الصناعة ممكنة.

لذلك لا يوجد تعارض بين القول إن الإنسان صنع السفينة وبين نسبة الخلق إلى الله تعالى؛ فكل منهما يُفهم بحسب معناه وسياقه.

الخلاصة

اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾؛ فقيل إن المقصود السفن والمراكب، وقيل إن المقصود الإبل التي يركبها الناس في البر.

ونسبة الخلق إلى الله تعالى صحيحة؛ لأنه سبحانه خالق الإنسان وقدرته، وخالق المواد والأسباب التي تقوم عليها الصناعة.

أما البشر فيصنعون السفن باستخدام هذه المواد والقدرات التي خلقها الله لهم، فلا تعارض بين كون الإنسان صانعًا للسفينة وبين كون الله تعالى خالقًا للإنسان وقدرته وأسباب صنعها.

فالآية من دلائل قدرة الله ونعمه على عباده وتسخيره أسباب الانتقال لهم، ولا تعني أن السفن توجد دون صناعة البشر.

والله أعلم.