احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الكبائر و المعاصي والمكروهات 1290 2026-09-02

لماذا لا يكون كل من ترك عبادة أو ارتكب معصية كافرًا؟

السؤال
إذا كان الله تعالى قد خلق الإنسان لعبادته، وكان الإسلام قائمًا على الاستسلام والانقياد لله، فلماذا لا يكون المسلم الذي يترك بعض العبادات أو يصر على بعض المعاصي كافرًا؛ لأنه لم يحقق الانقياد الكامل لله؟ وهل يأثم من يكتفي بالفرائض ويقضي بقية وقته في الأمور المباحة دون أن ينوي بها التقرب إلى الله؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الإسلام هو الاستسلام لله تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، وعبادة الله هي الغاية التي خلق الله الناس من أجلها. لكن هذا لا يعني أن كل معصية أو تقصير في عبادة يُخرج المسلم من الإسلام؛ لأن الإيمان له أصل وشعب ودرجات، ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

أولًا: عبادة الله هي الغاية من خلق الإنسان

قال الله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: 56]

والعبادة تشمل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ومن أعظمها توحيد الله والإيمان به وطاعته واتباع رسوله ﷺ.

قال تعالى:

﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[الأنعام: 155]

وقال سبحانه:

﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ... وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾
[النور: 54]

فكمال الاستسلام لله يكون بطاعته واتباع ما جاء في القرآن والسنة.

ثانيًا: ليس كل ذنب أو ترك لعبادة كفرًا

هناك فرق بين ترك الإسلام وأصله وبين الوقوع في معصية أو التقصير في بعض الواجبات.

وقد دل القرآن على أن الذنوب التي هي دون الشرك ليست كلها كفرًا مخرجًا من الإسلام، فقال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
[النساء: 48]

فالآية فرقت بين الشرك وبين الذنوب التي دونه.

وقال تعالى عن قوم جمعوا بين الطاعات والمعاصي:

﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[التوبة: 102]

فقد يكون الإنسان مسلمًا موحدًا، ومع ذلك يقع في بعض الذنوب أو يقصر في بعض الواجبات، فيكون إيمانه ناقصًا بسبب معصيته، ولا يلزم من ذلك زوال أصل إيمانه كله.

وهذا في الذنوب والمعاصي التي لا تكون في ذاتها كفرًا أكبر، أما ما دل الشرع على أنه كفر مخرج من الإسلام فله حكم آخر.

ثالثًا: المسلمون ليسوا في درجة واحدة من الطاعة

قال الله تعالى:

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
[فاطر: 32]

فالناس في طاعتهم لله درجات:

  • السابق بالخيرات: يؤدي الفرائض ويجتنب المحرمات ويكثر من النوافل والخيرات.
  • المقتصد: يؤدي الواجبات ويجتنب المحرمات، ولكنه لا يكثر من النوافل.
  • الظالم لنفسه: معه أصل الإيمان والتوحيد، لكنه يقصر في بعض الواجبات أو يقع في بعض المحرمات.

وهذا يبين أن وقوع المسلم في التقصير لا يعني بالضرورة خروجه من الإسلام.

رابعًا: الإيمان يزيد وينقص

من أصول أهل السنة أن الإيمان ليس درجة واحدة ثابتة عند جميع المسلمين، بل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

وقال النبي ﷺ:

«الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»
[رواه مسلم]

فالحديث يدل على أن الإيمان له شعب ومراتب، وأن أعمال الناس فيه تتفاوت.

ولهذا لا يصح القول إن الإنسان إذا ترك جزءًا من الطاعة فقد زال عنه الإيمان كله؛ بل قد يزول بعض كمال الإيمان ويبقى أصله.

خامسًا: ما حكم المسلم الذي يرتكب الكبائر؟

من مات على التوحيد ولم يقع فيما يخرجه من الإسلام، ولكنه مات على كبائر لم يتب منها، فهو تحت مشيئة الله تعالى.

قال سبحانه:

﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
[النساء: 48]

فقد يغفر الله له، وقد يعاقبه على بعض ذنوبه، لكنه لا يخلد في النار خلود الكافر إذا مات على أصل التوحيد والإيمان.

وهذا لا يعني التهوين من المعاصي؛ فالذنوب قد تكون سببًا للعذاب وحرمان العبد من خير كثير، وإنما المقصود بيان الفرق بين المعصية والكفر المخرج من الإسلام.

سادسًا: هل يأثم من يكتفي بالفرائض؟

إذا أدى المسلم ما فرضه الله عليه واجتنب المحرمات، فلا يأثم لمجرد أنه لم يكثر من النوافل.

فالنوافل سبب لزيادة الأجر والقرب من الله، لكنها ليست في حكم الفرائض.

وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله عن الفرائض، فلما أخبره بها قال إنه لن يزيد عليها ولن ينقص منها، فقال النبي ﷺ:

«أفلح إن صدق»
[متفق عليه]

وهذا يدل على أن من أدى الفرائض واجتنب المحرمات فقد أدى ما وجب عليه، وإن كان من زاد في النوافل والخيرات أعلى منزلة وأعظم أجرًا.

سابعًا: هل يجب تحويل كل المباحات إلى عبادات بالنية؟

الأمور المباحة كالأكل والنوم والعمل والتجارة والترفيه المباح لا يأثم الإنسان بمجرد فعلها دون نية خاصة للتقرب إلى الله.

لكن المسلم يستطيع أن يحول كثيرًا من عاداته المباحة إلى عبادات إذا استحضر فيها نية صالحة؛ فيأكل ليستعين على الطاعة، ويعمل ليكسب الحلال وينفق على أسرته، ويرتاح ليستعيد نشاطه للقيام بواجباته.

وهذا أكمل وأعظم أجرًا، لكنه لا يعني أن كل مباح يفعله الإنسان دون نية عبادة يصبح معصية.

ولا يتعارض ذلك مع قوله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[الأنعام: 162]

لأن الله نفسه أباح لعباده الطيبات والمنافع الدنيوية، فالانتفاع بما أباحه الله داخل في شريعته، ما دام الإنسان لا يترك بسببه واجبًا ولا يرتكب محرمًا.

الخلاصة

الإسلام وعبادة الله مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، لكن الطاعة لها درجات، والإيمان يزيد وينقص. ولذلك لا يصبح المسلم كافرًا بمجرد ارتكابه معصية أو تقصيره في بعض العبادات التي لا يكون تركها كفرًا في ذاته.

فمن حافظ على أصل التوحيد والإيمان، واجتمعت عنده طاعات ومعاصٍ، لم يخرج من الإسلام لمجرد المعصية، وإن كان إيمانه ينقص ويجب عليه التوبة.

ومن أدى الفرائض واجتنب المحرمات واقتصر بعد ذلك على المباحات، فلا يأثم لمجرد ترك النوافل أو عدم استحضار نية العبادة في كل مباح، وإن كان الإكثار من النوافل وتحويل العادات إلى عبادات بالنية الصالحة أكمل وأعظم أجرًا.

والله أعلم