احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه توحيد الالوهيه في الاسلام 803 2026-09-02

ما صحة حديث الأعمى؟ وهل يدل على التوسل بالنبي ﷺ؟

السؤال
ورد أن رجلًا أعمى جاء إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو الله ليرد إليه بصره، فعلّمه النبي ﷺ دعاءً فيه: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة...». فما صحة هذا الحديث؟ وهل يدل على جواز التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه، أم أن المقصود التوسل بدعائه؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

حديث الأعمى حديث مشهور، وقد صححه أو حسنه جماعة من أهل العلم، والمقصود بالتوسل الوارد فيه – على الراجح في تفسيره – هو التوسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته للرجل في حياته، وليس سؤال النبي ﷺ قضاء الحاجة بنفسه.

قصة الرجل الأعمى

جاء رجل أعمى إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو الله أن يعيد إليه بصره، فقال له النبي ﷺ:

«إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخرت ذاك فهو خير»، فاختار الرجل الدعاء.

فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ ويحسن وضوءه ويصلي ركعتين، ثم يدعو الله بالدعاء الذي علمه إياه، ومنه:

«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة...»

فالسياق بدأ بطلب واضح من الرجل للنبي ﷺ أن يدعو الله له، وهذا مهم في فهم معنى التوسل الوارد في الحديث.

هل كان التوسل بذات النبي ﷺ أم بدعائه؟

يدل سياق الحديث على أن الرجل توسل إلى الله بدعاء النبي ﷺ له وشفاعته فيه.

فالرجل لم يجلس في بيته ويقل: أسألك يا الله بجاه محمد، وإنما ذهب إلى النبي ﷺ وطلب منه الدعاء.

ومما يؤكد هذا المعنى ما جاء في الدعاء نفسه:

«اللهم فشفعه فيَّ، وشفعني فيه»

والشفاعة هنا مرتبطة بالدعاء؛ أي: اقبل دعاء النبي ﷺ لي، واقبل دعائي في أن تستجيب دعاءه.

ولهذا فقول الرجل: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد» يُفهم في سياق القصة على معنى التوسل بدعائه وشفاعته ﷺ.

هل يمكن تطبيق الحديث بعد وفاة النبي ﷺ؟

التوسل بدعاء النبي ﷺ كان ممكنًا في حياته؛ لأن الصحابة كانوا يأتونه ويطلبون منه أن يدعو الله لهم.

أما بعد وفاته ﷺ، فلم يكن الصحابة عند نزول الشدائد يذهبون إلى قبره ويطلبون منه أن يدعو لهم.

ومن أوضح الأمثلة ما حدث في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أصاب الناس القحط، فقال عمر:

«اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا»
[رواه البخاري]

ثم طلبوا من العباس رضي الله عنه أن يدعو الله لهم.

فلو كان طلب الدعاء من النبي ﷺ بعد وفاته مشروعًا كطلبه منه في حياته، لكان الصحابة أسبق الناس إليه، وخاصة عند حاجتهم الشديدة إلى المطر.

الفرق بين طلب الدعاء ودعاء النبي ﷺ نفسه

من المهم التفريق بين مسألتين:

الأولى: أن يطلب الصحابي من النبي ﷺ في حياته أن يدعو الله له، وهذا مشروع وثابت.

والثانية: أن يدعو الإنسان النبي ﷺ نفسه طالبًا منه ما لا يقدر عليه إلا الله، كغفران الذنوب أو كشف الكربات أو قضاء الحاجات الغيبية؛ فهذا لا يجوز، لأن الدعاء عبادة يجب صرفها لله وحده.

قال تعالى:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: 60]

وقال سبحانه:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
[البقرة: 186]

وقال تعالى:

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾
[النمل: 62]

فالمسلم يسأل الله مباشرةً، ويعلم أن كشف الضر وقضاء الحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله من خصائصه سبحانه.

هل الحديث دليل على التوسل بجاه النبي ﷺ؟

استدل بعض أهل العلم بالحديث على صور أخرى من التوسل، لكن التفسير الذي رجحه أصحاب الفتوى هو أن الحديث يتعلق بدعاء النبي ﷺ وشفاعته للرجل؛ لأن هذا هو الذي يدل عليه سياق القصة.

فالرجل جاء طالبًا الدعاء، والنبي ﷺ دعا له، ثم أمره هو أيضًا بالدعاء والصلاة والتوجه إلى الله.

وبذلك تجتمع في القصة عدة أسباب مشروعة: دعاء النبي ﷺ للرجل، ودعاء الرجل لنفسه، وصلاته وتضرعه إلى الله.

الخلاصة

حديث الأعمى ثابت عند جماعة من أهل الحديث، ولا يدل – على الراجح في تفسيره – على أن الرجل كان يسأل النبي ﷺ قضاء حاجته بنفسه، وإنما طلب منه أن يدعو الله له، فتوسل إلى الله بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته.

ولهذا لا يصح جعل الحديث دليلًا على طلب الدعاء من النبي ﷺ بعد وفاته؛ فالثابت عن الصحابة أنهم بعد وفاته كانوا يدعون الله، ويطلبون الدعاء ممن كان حيًا من الصالحين، كما فعل عمر رضي الله عنه مع العباس.

أما الدعاء وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، فيجب أن يكون لله وحده.

والله أعلم