الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
محبة الله وتعظيمه وإجلاله من أعظم دوافع العبادة، بل ينبغي أن تكون محبة الله في قلب المؤمن أصلًا عظيمًا يحمله على طاعته وترك معصيته. لكن لا تعارض بين ذلك وبين رجاء الجنة والخوف من النار؛ فالعبادة الكاملة تجمع المحبة والخوف والرجاء.
محبة الله وتعظيمه من أعظم أسباب الطاعة
الله سبحانه مستحق للمحبة والعبادة لكماله وجلاله وأسمائه وصفاته، فهو الخالق والرب والمنعم، ولا يستحق العبادة أحد سواه.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[الأنبياء: 25]
وقال سبحانه:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[طه: 14]
والعبادة تتضمن كمال المحبة مع كمال الخضوع والتعظيم لله.
ولهذا فمن الجميل أن يقول المسلم: أترك المعصية لأنني أحب الله وأستحي منه وأعظم أمره. فهذا معنى صحيح يدل على حياة القلب.
محبة الله تنشأ من معرفته ومعرفة نعمه
كلما ازداد الإنسان معرفة بالله، ازداد حبًا له؛ فيتعرف على رحمته وكرمه وحلمه ومغفرته وحكمته، ويتأمل نعمه الظاهرة والباطنة.
فالقلوب مفطورة على محبة من أحسن إليها، وكل ما بالإنسان من نعمة فمن الله.
قال تعالى:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
[النحل: 53]
لكن محبة المؤمن لله لا تقوم فقط على النعم التي يحصل عليها، بل يحبه سبحانه لما له من الكمال والجلال والجمال، ويعبده لأنه المستحق للعبادة.
هل الخوف من النار أقل منزلة من الاستحياء من الله؟
ليس صحيحًا أن الخوف من النار معنى ناقص ينبغي للمؤمن أن يتخلص منه.
فالذي أخبرنا بالنار وحذرنا منها هو الله سبحانه، والأنبياء أنفسهم كانوا يجمعون بين الخوف والرجاء والمحبة.
قال تعالى في وصفهم:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾
[الأنبياء: 90]
فالاستحياء من الله سبب عظيم لترك المعصية، والخوف من عقابه سبب شرعي كذلك، ولا حاجة إلى وضع أحدهما في مواجهة الآخر.
قد يجتمع في قلب المؤمن عند المعصية أن يقول: أستحي من الله، وأحب الله فلا أريد مخالفته، وأخاف غضبه وعقابه. وكل هذه دوافع صحيحة للطاعة.
هل طلب الجنة يتعارض مع محبة الله؟
كذلك لا يتعارض طلب الجنة مع محبة الله، لأن الجنة ليست مجرد طعام وشراب وملذات حسية، وإنما هي دار كرامة الله ورضوانه، وأعظم نعيم أهلها رضوان الله والقرب منه ورؤية وجهه الكريم.
قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[التوبة: 72]
فقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يبين أن أعظم ما يطلبه المؤمن ليس مجرد نعيم الجسد، وإنما رضوان الله.
ولهذا فإن من يحب الله حقًا يشتاق إلى جنته؛ لأنها دار رضوانه وكرامته والقرب منه.
الأنبياء والصالحون طلبوا الجنة وخافوا النار
القرآن مليء بذكر دعاء المؤمنين بالجنة واستعاذتهم من النار، ولم يجعل ذلك نقصًا في إخلاصهم أو محبتهم لله.
قال تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[البقرة: 201]
فلو كان طلب الجنة أو الخوف من النار ينافي كمال العبادة، لما أثنى الله على عباده بسبب ذلك، ولما أرشدهم إليه.
العبادة المتوازنة تجمع ثلاثة أصول
الأكمل للمؤمن ألا يحصر عبادته في دافع واحد، بل يجمع في قلبه بين:
المحبة: فيعبد الله لأنه يحبه ويعظمه.
الرجاء: فيرجو رحمته ومغفرته ورضوانه وجنته.
الخوف: فيخاف غضبه وسخطه وعذابه.
وهذه المعاني يكمل بعضها بعضًا؛ فالمحبة تدفع إلى الإقبال على الله، والرجاء يمنع اليأس ويشجع على العمل، والخوف يمنع التهاون بالذنوب والمعاصي.
ماذا عن قول: «لا أعبد الله خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته»؟
إذا كان المقصود أن الله سبحانه مستحق للعبادة حتى لو لم يكن هناك ثواب أو عقاب، وأن الإنسان يحبه ويعبده لجلاله وكماله، فهذا المعنى من حيث الأصل صحيح.
أما إذا كان المقصود أن طلب الجنة والخوف من النار شيء مذموم أو يتنافى مع المحبة والإخلاص، فهذا غير صحيح؛ لأن الله نفسه أمر عباده برجائه والخوف منه، ومدح الأنبياء والصالحين بذلك.
فالخطأ ليس في محبة الله وتعظيمه، وإنما في جعل هذه المحبة سببًا لإلغاء الخوف والرجاء اللذين شرعهما الله.
الخلاصة
الباعث العظيم على عبادة الله هو محبته وتعظيمه وإجلاله، ومن الجميل أن يمنع الإنسان من المعصية حياؤه من الله ومحبته له. لكن الأكمل أن يجمع مع ذلك الخوف من الله ورجاء رحمته وجنته.
ولا تعارض بين محبة الله وطلب الجنة؛ فالجنة دار رضوان الله وكرامته، وأعظم نعيمها رضوانه والقرب منه. كما أن الخوف من النار ليس نقصًا في الإيمان، بل هو من صفات الأنبياء والمؤمنين.
فالعبادة الكاملة تقوم على المحبة والخوف والرجاء، دون أن يلغي أحدها الآخر.
والله أعلم