الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الدعاء في هذه الصورة موجه إلى الله وحده، وليس إلى الشخص الصالح، ولذلك ينبغي التفريق بينها وبين دعاء الأموات وطلب الحاجات منهم. أما التوسل إلى الله بمجرد جاه الصالحين أو مكانتهم وفضلهم عنده، فهو من مسائل الخلاف بين أهل العلم، والقول الذي اعتمدته الفتوى الأصلية هو عدم مشروعيته؛ لأن الدعاء عبادة، ولم يثبت عند أصحاب هذا القول دليل على جعل جاه شخص آخر أو صلاحه وسيلة في الدعاء.
الدعاء عبادة مبناها على الاتباع
الدعاء من أعظم العبادات، ولهذا فإن الأصل أن يدعو المسلم ربه بالطريقة التي شرعها الله ورسوله ﷺ.
قال النبي ﷺ:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»
[متفق عليه]
وفي رواية مسلم:
«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
ومن هنا يرى المانعون للتوسل بالجاه أن الوسائل التي تجعل جزءًا من الدعاء تحتاج إلى دليل شرعي، كما تحتاج سائر العبادات إلى الدليل.
هل صلاح شخص آخر وسيلة لرفع كربتي؟
إذا قال الإنسان: «اللهم بصلاح فلان وعبادته لك فرج كربتي»، فإن الإشكال – وفق هذا القول – أن صلاح فلان عملٌ قام به ذلك الشخص، وليس عملًا قام به الداعي نفسه.
ولهذا فرّق العلماء بين التوسل بعمل الإنسان الصالح وبين التوسل بصلاح شخص آخر.
ومن أشهر الأدلة على التوسل بالعمل الصالح قصة الثلاثة الذين أُغلق عليهم الغار، فتوسل كل واحد منهم إلى الله بعمل صالح أخلص فيه لله، حتى فرج الله عنهم.
فهم لم يقولوا: اللهم بصلاح آبائنا أو بجاه أحد من الصالحين، وإنما ذكر كل واحد منهم عملًا صالحًا قام به بنفسه.
ماذا كان يفعل الصحابة؟
كان الصحابة رضي الله عنهم في حياة النبي ﷺ يأتونه ويطلبون منه أن يدعو الله لهم.
فإذا احتبس المطر طلبوا منه الاستسقاء، فيدعو الله فيسقيهم.
وبعد وفاة النبي ﷺ، لما أصاب المسلمين القحط، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا»
[رواه البخاري]
وطلب عمر من العباس رضي الله عنه أن يدعو الله للمسلمين.
ويرى أصحاب القول بالمنع أن هذا يدل على أن توسل الصحابة بالنبي ﷺ كان بدعائه في حياته، ولهذا انتقلوا بعد وفاته إلى طلب الدعاء من العباس وهو حي.
لماذا لم يتوسل عمر بجاه النبي ﷺ؟
يستدل المانعون بهذه الواقعة أيضًا على أن المقصود لم يكن مجرد الجاه أو المكانة.
فمكانة النبي ﷺ عند الله أعظم من مكانة العباس بلا شك، وهذه المكانة لم تنته بوفاته.
فلو كان مجرد الجاه هو الوسيلة المقصودة، لما كانت هناك حاجة إلى الانتقال إلى العباس رضي الله عنه.
أما إذا كان المقصود هو دعاء الشخص الصالح، فيصبح الأمر واضحًا؛ فقد كان النبي ﷺ يدعو لهم في حياته، وبعد وفاته طلبوا الدعاء من العباس.
ما أنواع التوسل المشروعة؟
هناك صور من التوسل ثابتة لا إشكال في مشروعيتها، ومنها:
التوسل بأسماء الله وصفاته، كأن يقول المسلم: «يا رحمن ارحمني»، أو: «اللهم برحمتك أستغيث».
قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[الأعراف: 180]
وكذلك التوسل بالإيمان والعمل الصالح، مثل أن يسأل الإنسان الله بإيمانه وتوبته وإخلاصه وطاعته.
ومن المشروع أيضًا طلب الدعاء من المسلم الحي، كما كان الصحابة يطلبون الدعاء من النبي ﷺ في حياته.
هل التوسل بجاه الصالح شرك؟
من المهم توضيح هذه النقطة حتى لا تختلط المسائل.
من قال: «اللهم بجاه فلان عندك اغفر لي» فهو يدعو الله، وليس فلانًا؛ ولذلك لا يُجعل مجرد هذا القول مساويًا لدعاء غير الله.
وإنما يرى أصحاب القول بالمنع أن هذه وسيلة غير مشروعة في الدعاء لعدم ثبوت الدليل عليها عندهم.
وهذا يختلف عن أن يدعو الإنسان الميت نفسه ويطلب منه أمرًا لا يقدر عليه إلا الله؛ فهذه مسألة أخرى لها حكم مختلف.
الخلاصة
التوسل إلى الله بجاه الصالحين أو صلاحهم ومكانتهم عنده من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم، والقول الذي اعتمدته الفتوى الأصلية هو عدم مشروعيته، لأن الدعاء عبادة ولم يثبت عند أصحاب هذا القول أن جاه شخص آخر أو صلاحه من الوسائل المشروعة في الدعاء.
والأولى للمسلم أن يدعو الله بالوسائل الثابتة: بأسمائه وصفاته، وبإيمانه وأعماله الصالحة، وأن يطلب الدعاء من المسلم الصالح الحي إذا أراد.
أما إجابة الدعاء وكشف الكرب وجلب النفع ودفع الضر، فكل ذلك بيد الله وحده.
والله أعلم