الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الثابت أن عرش الله تعالى كان على الماء، كما أخبر القرآن، وقد ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أثر يدل على أن الكرسي فوق الماء. وأما الله سبحانه فهو فوق عرشه، بائن من خلقه، ولا يعني ذلك أن شيئًا من مخلوقاته يحيط به سبحانه.
الله تعالى فوق عرشه بائن من خلقه
من أصول اعتقاد أهل السنة إثبات علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه ولا تكييف.
قال تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
[طه: 5]
فالله سبحانه فوق خلقه، لا يحل في شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء منها، وهو سبحانه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
ولهذا لا ينبغي أن تُفهم النصوص المتعلقة بالعرش والكرسي والماء على أنها تجعل الله سبحانه داخل مخلوقاته أو محاطًا بها.
هل الماء فوق الكرسي؟
بحسب ما ذكرته الفتوى الأصلية، لم يثبت أن الماء فوق الكرسي، بل ورد ما يدل على أن الكرسي فوق الماء، والعرش فوق الماء كذلك.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾
[هود: 7]
فالآية تثبت أن عرش الله كان على الماء.
وجاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أثر ذكر فيه المسافات بين السماوات، ثم قال:
«ثم ما بين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والكرسي فوق الماء، والله تعالى فوق العرش، ولا يخفى عليه من أعمالكم شيء».
وقد رُوي هذا الأثر من طرق وألفاظ متعددة، وصححه عدد من أهل العلم كما ذكرت الفتوى الأصلية.
وهذه الرواية صريحة في أن الكرسي فوق الماء.
لماذا وردت روايات بألفاظ مختلفة؟
ورد أثر ابن مسعود رضي الله عنه بأكثر من لفظ.
ففي بعض الروايات:
«وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش».
وقد يُفهم من هذا اللفظ وحده احتمال مختلف لترتيب الماء والكرسي، لكن الرواية الأخرى جاءت بلفظ أوضح:
«والكرسي فوق الماء».
ولهذا حملت الفتوى الأصلية الروايات المحتملة على الرواية الصريحة، وخلصت إلى أن الماء ليس فوق الكرسي، وإنما الكرسي فوق الماء.
ماذا عن حديث الأوعال؟
ورد حديث يُعرف بـ«حديث الأوعال»، وفيه ذكر السماوات والبحر والعرش والمسافات بينها.
لكن الفتوى الأصلية نبهت إلى أن هذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه عدد من أهل الحديث، ومنهم الشيخ الألباني.
ولذلك لا يعتمد عليه وحده في تقرير هذه المسألة.
أين يكون موضع القدمين؟
السؤال عن موضع القدمين بُني أساسًا على افتراض أن الماء فوق الكرسي.
وبحسب ما رجحته الفتوى، فإن هذا الافتراض غير صحيح؛ لأن الوارد في أثر ابن مسعود أن الكرسي فوق الماء، ومن ثم يزول الإشكال المبني على القول بأن الماء فوقه.
أما ما ورد في بعض الآثار عن الكرسي وكونه موضع القدمين، فهو من مسائل الصفات التي يتعامل معها أهل السنة بإثبات ما ثبت منها على الوجه اللائق بالله سبحانه، من غير تشبيه بصفات المخلوقين، ولا محاولة لتصور الكيفية التي لم يخبرنا الله بها.
فمعرفة ترتيب بعض المخلوقات شيء، ومعرفة كيفية صفات الله تعالى شيء آخر، ولا يجوز قياس صفات الخالق على صفات خلقه.
هل يتعارض ذلك مع كون الله بائنًا من خلقه؟
لا تعارض.
فالعرش والكرسي والماء والسماوات كلها مخلوقات لله تعالى، والله سبحانه ليس جزءًا منها ولا حالًّا فيها.
وإثبات أن الله فوق عرشه لا يعني تشبيهه بالمخلوق، ولا يعني أن العرش أو غيره يحيط به.
قال تعالى:
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
[البقرة: 255]
والأصل في مثل هذه المسائل أن نثبت ما جاء في النصوص الصحيحة، وألا نتجاوزها إلى تخيلات أو كيفيات لم يرد بها دليل.
الخلاصة
الثابت بنص القرآن أن عرش الله كان على الماء، وقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أثر صريح بأن الكرسي فوق الماء.
وعليه، فالإشكال المبني على افتراض أن الماء فوق الكرسي لا يرد بحسب ما رجحته الفتوى الأصلية.
والله تعالى فوق عرشه، بائن من خلقه، والعرش والكرسي والماء وسائر السماوات كلها من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء منها.
وفي مسائل صفات الله ينبغي الوقوف عند ما ثبت في القرآن والسنة، مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، وعدم الخوض في كيفية صفاته بغير علم.
والله أعلم