احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 725 2026-09-06

ما معنى العبادة ابتغاء وجه الله؟

السؤال
ما معنى أن يعبد المسلم الله «ابتغاء وجهه»؟ وهل المقصود بذلك الإخلاص وطلب رضا الله وثوابه، أم أن هذا يتعارض مع إثبات صفة الوجه لله تعالى؟ وهل السؤال والبحث في هذه المسألة يعد شكًّا في صفات الله أو وقوعًا في الشرك؟
الإجابة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

معنى العبادة ابتغاء وجه الله هو أن يخلص العبد عبادته لله، قاصدًا رضاه وثوابه في الآخرة، ولا تعارض بين هذا المعنى وبين إثبات صفة الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف. كما أن السؤال عن هذه المسائل بقصد التعلم وفهم العقيدة لا يعد شركًا ولا شكًّا في القرآن أو صفات الله.

السؤال عن صفات الله للتعلم ليس محرمًا

لا حرج على المسلم أن يسأل عن معاني أسماء الله وصفاته، أو أن يبحث عما أشكل عليه منها بقصد معرفة الحق.

بل العلم بالله وأسمائه وصفاته من أشرف العلوم، لأنه يزيد العبد معرفة بربه ومحبة له وتعظيمًا وخشية.

قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[فاطر: 28]

والإنسان لا يولد عالمًا، وإنما يتعلم بالسؤال والبحث والرجوع إلى أهل العلم. فإذا تبين له الحق اتبعه، وإذا لم يتضح له شيء توقف حتى يتبين له، وسأل الله الهداية إلى الحق.

ولهذا فإن مجرد السؤال: «ما معنى ابتغاء وجه الله؟» لا يعني إنكار الصفة أو الشك في القرآن، فضلًا عن أن يكون شركًا.

ما معنى «ابتغاء وجه الله»؟

ورد هذا التعبير في عدد من آيات القرآن.

قال تعالى:

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾
[البقرة: 272]

وقال سبحانه:

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾
[الرعد: 22]

ومعنى «ابتغاء وجه الله» في هذا السياق هو الإخلاص لله، وطلب رضاه وثوابه، وألا يكون المقصود من العبادة مدح الناس أو تحقيق غرض دنيوي فاسد.

فالإنسان الذي يتصدق ابتغاء وجه الله يتصدق لله مخلصًا، يرجو رضاه وثوابه، لا ليقال عنه كريم أو ليحصل على مدح الناس.

هل هذا المعنى ينفي صفة الوجه لله؟

لا.

فالفتوى تفرق بين إثبات الصفة وبين المعنى الذي يترتب على ابتغاء وجه الله في عمل العبد.

فأهل السنة يثبتون لله تعالى صفة الوجه كما جاءت في القرآن، إثباتًا يليق بجلاله، من غير تشبيه بوجوه المخلوقين ولا خوض في كيفيتها.

قال تعالى:

﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
[الرحمن: 27]

وفي الوقت نفسه، فإن قولنا إن «ابتغاء وجه الله» يتضمن الإخلاص لله وطلب رضاه وثوابه لا يعني إنكار صفة الوجه أو تأويلها بما ينفيها.

فالفتوى تؤكد أنه لا تعارض بين إثبات صفة الوجه لله وبين كون ابتغاء وجهه يعني إخلاص القصد له وطلب ثوابه.

ابتغاء وجه الله لا يعني ترك رجاء الجنة

قد يظن بعض الناس أن من يعبد الله ابتغاء وجهه ينبغي ألا يطلب الجنة وألا يخاف النار، وهذا غير صحيح.

فالعبادة الكاملة تجمع محبة الله والخوف منه ورجاء ثوابه.

قال تعالى عن الأنبياء والصالحين:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾
[الأنبياء: 90]

وقال سبحانه:

﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾
[السجدة: 16]

فمن عبد الله مخلصًا له، ورجا جنته وثوابه، وخاف عذابه، فقد جمع بين هذه المعاني المشروعة، ولا يوجد بينها تعارض.

النظر إلى وجه الله من أعظم نعيم الجنة

من الأمور التي توضح المسألة أن المؤمن يرجو في الآخرة نعيم الجنة، ومن أعظم هذا النعيم النظر إلى وجه الله تعالى.

ولهذا فإن من يعبد الله ويرجو أن يكرمه الله بالنظر إلى وجهه في الآخرة لا يكون قد ترك الرجاء في الثواب؛ بل هو يرجو واحدًا من أعظم أنواع الثواب والنعيم.

وقد جاء في دعاء النبي ﷺ:

«وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك».

فالعبد الذي يطلب هذا النعيم يرجو حصوله ويخاف الحرمان منه، ولذلك تجتمع في عبادته المحبة والرجاء والخوف.

هل مجرد الخوف من الخطأ في هذه المسألة دليل على الشرك؟

لا.

مجرد وجود إشكال عند الإنسان، أو بحثه عن معنى آية أو صفة من صفات الله، لا يجعله مشركًا ولا يعني أنه ينكر القرآن.

بل المطلوب عند وجود الإشكال هو التعلم وسؤال أهل العلم، مع تجنب الاسترسال مع الوساوس.

فمن كان مقصوده معرفة الحق والإيمان بما أخبر الله به عن نفسه، فلا ينبغي أن يحول خوفه من الخطأ بينه وبين طلب العلم.

الخلاصة

العبادة ابتغاء وجه الله تعني إخلاص العبادة لله وطلب رضاه وثوابه، مع إثبات صفة الوجه لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه ولا تكييف.

ولا تعارض بين أن يعبد المسلم الله ابتغاء وجهه وبين أن يرجو الجنة ويخاف النار؛ فالقرآن أثنى على عباده الذين يدعونه رغبة ورهبة.

كما أن النظر إلى وجه الله تعالى من أعظم نعيم أهل الجنة، ولذلك فإن ابتغاء وجه الله وطلب ثوابه ورجاء الجنة معانٍ متوافقة وليست متعارضة.

أما السؤال والبحث لفهم هذه المسائل فلا يعد شركًا ولا إنكارًا لصفات الله، وإنما هو من طرق التعلم والوصول إلى الفهم الصحيح.

والله أعلم