الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
عقيدة أهل السنة أن أسماء الله تعالى وصفاته ليست مخلوقة، وأن الله سبحانه لم يزل متصفًا بصفات الكمال اللائقة به. كما يعتقدون أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، ويثبتون لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
ولا يتغير الحق بسبب شهرة قول مخالف أو كثرة القائلين به؛ فالمرجع في مسائل الاعتقاد هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه الصحابة والسلف.
المرجع في العقيدة هو الكتاب والسنة
الواجب على المسلم أن يبني اعتقاده على ما جاء في القرآن والسنة، وأن يحرص على فهم الدين وفق ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ.
وقد حذر النبي ﷺ من الاختلاف والبدع التي تظهر بعده، فقال:
«فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ»
[رواه الترمذي]
فوجود الخلاف بين الناس لا يعني أن الحق غير معروف، كما أن انتشار قول أو شهرة قائله ليست دليلًا على صحته.
ولهذا ينبغي أن يكون السؤال دائمًا: ما الدليل من الكتاب والسنة، وما الذي كان عليه الصحابة والسلف؟
أسماء الله تعالى غير مخلوقة
قرر أئمة أهل السنة أن أسماء الله تعالى غير مخلوقة، وأن القول بخلقها من الأقوال التي أنكرها السلف.
قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[الأعراف: 180]
وأسماء الله سبحانه تتضمن صفات الكمال اللائقة به، وقد سمى الله نفسه بها وأثنى بها على نفسه.
ونُقل عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله:
«من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة؛ لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة، فليس عليه الكفارة؛ لأنه مخلوق، وذاك غير مخلوق».
كما اشتد إنكار أئمة السلف على القول بأن أسماء الله وعلمه وصفاته مخلوقة.
الله لم يزل متصفًا بصفات الكمال
الله سبحانه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته، ولم يكتسب صفات الكمال بعد خلق العالم.
فهو سبحانه العليم قبل وجود المخلوقات، والقدير قبل وجود المقدورات، وهو الخالق والرازق بما يليق به سبحانه.
ولهذا لا يصح اعتقاد أن الله كان فاقدًا لصفة من صفات الكمال ثم حصلت له بعد ذلك؛ لأن فقد صفة الكمال نقص، والله تعالى منزه عن كل نقص.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾
[النساء: 17]
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
[النساء: 58]
والمقصود أن الله سبحانه لم يزل متصفًا بالكمال اللائق به.
هل القرآن مخلوق؟
عقيدة أهل السنة أن القرآن كلام الله تعالى منزل غير مخلوق.
فالكلام صفة من صفات الله، والله سبحانه هو الذي تكلم بالقرآن على الوجه اللائق بجلاله.
ولهذا ارتبطت مسألة القول بخلق أسماء الله تاريخيًا بمسألة القول بخلق القرآن؛ لأن من قال إن كلام الله مخلوق قد يبني على ذلك أن الأسماء التي سمى الله بها نفسه في كلامه مخلوقة أيضًا.
وقد خالف أئمة أهل السنة هذا القول وقرروا أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
كيف يثبت أهل السنة صفات الله؟
يقوم منهج أهل السنة في أسماء الله وصفاته على إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ على الوجه اللائق بالله، مع تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين.
قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
فهذه الآية تجمع بين أصلين مهمين:
تنزيه الله عن مشابهة خلقه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وإثبات صفاته في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
فإثبات صفات الله لا يعني تشبيهها بصفات البشر، كما أن تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات لا يعني نفي الصفات التي وصف بها نفسه.
ولهذا يثبت أهل السنة صفات الله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
ماذا عن علو الله تعالى على خلقه؟
ومن الصفات التي تثبتها النصوص علو الله تعالى على خلقه واستواءه على عرشه على الوجه اللائق بجلاله.
قال تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
[طه: 5]
ويثبت أهل السنة ذلك دون محاولة تحديد كيفية الاستواء أو تشبيهه باستواء المخلوق؛ لأن الله سبحانه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
فالمطلوب إثبات ما جاء به النص مع تفويض كيفية الصفة إلى الله تعالى.
هل شهرة العالم أو كثرة أتباعه دليل على صحة قوله؟
شهرة الإنسان وقبول الناس له لا يعنيان أن كل أقواله صحيحة.
فالعبرة ليست بكثرة الأتباع، ولا بالمكانة الاجتماعية أو العلمية وحدها، وإنما بموافقة القول للكتاب والسنة.
قال تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾
[النساء: 59]
ولهذا لا ينبغي أن تجعل شهرة شخص المسلمَ يتردد في قبول الدليل، كما لا ينبغي أيضًا أن يتحول الاهتمام بالأخطاء العقدية إلى الانشغال بالأشخاص والطعن فيهم دون علم.
فالميزان الصحيح هو دراسة القول نفسه وعرضه على الأدلة الشرعية.
وقد نقل أهل العلم قولًا مشهورًا:
«لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها، ولا تغتر بكثرة الهالكين».
كيف يتعامل المسلم مع كثرة الأقوال المختلفة؟
عند كثرة الخلاف لا ينبغي للمسلم أن يظن أن الوصول إلى الحق أصبح مستحيلًا.
بل يرجع إلى القرآن والسنة، ويسأل أهل العلم الموثوقين، ويحرص على معرفة ما كان عليه الصحابة والسلف، ولا يجعل كثرة القائلين أو شهرة الأشخاص دليلًا مستقلًا على صحة الاعتقاد.
والأهم أن يكون هدفه معرفة الحق واتباعه، لا مجرد الانتصار لشخص أو جماعة.
الخلاصة
عقيدة أهل السنة أن أسماء الله وصفاته ليست مخلوقة، وأن الله سبحانه لم يزل متصفًا بصفات الكمال اللائقة به، وأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق.
ويثبت أهل السنة ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، ومن ذلك علوه واستواؤه على عرشه، إثباتًا يليق بجلاله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
أما انتشار قول مخالف أو شهرة قائله وقبول الناس له، فليس دليلًا على صحة قوله؛ لأن الحق يُعرف بالدليل من الكتاب والسنة، لا بكثرة الأتباع أو شهرة الأشخاص.
والله أعلم