احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 615 2026-09-06

كيف يكون الله متصفًا بالعلو قبل خلق المخلوقات؟

السؤال
يقرر أهل السنة أن علو الله تعالى من صفات ذاته، وأنه سبحانه لم يزل عاليًا. فكيف نفهم ثبوت هذه الصفة قبل وجود المخلوقات، مع أنه لم يكن هناك شيء مخلوق يقال إن الله فوقه؟
الإجابة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

علو الله تعالى من صفاته الذاتية الثابتة له، فهو سبحانه العلي الأعلى، ولم يزل ولا يزال متصفًا بالعلو. وهذا العلو ليس متوقفًا على وجود المخلوقات، لأن الله سبحانه مستحق للعلو لذاته، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء. فإذا خلق الخلق ظهر تعلق هذا العلو بهم، فكان سبحانه فوق جميع مخلوقاته.

وينبغي التفريق بين علو الله الذاتي، وهو صفة لازمة له سبحانه، وبين الاستواء على العرش، وهو فعل متعلق بمشيئته وقع بعد خلق العرش والسماوات والأرض.

علو الله من صفاته الذاتية

قال الله تعالى:

﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
[البقرة: 255]

وقال سبحانه:

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾
[الأعلى: 1]

فالعلو من صفات الله الذاتية، أي من الصفات الملازمة لذاته سبحانه التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها.

والصفة الذاتية تختلف عن الصفة الفعلية؛ فالصفات الذاتية كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعلو لا تنفك عن الله تعالى، أما الصفات الفعلية فتتعلق بمشيئته، يفعلها متى شاء، كالاستواء على العرش والنزول والمجيء.

ولهذا لا يقال إن الله يعلم إذا شاء، أو يكون عظيمًا إذا شاء؛ لأن هذه صفات كمال لازمة له.

الله هو العلي الأعلى قبل خلق العالم وبعده

الله سبحانه متصف بأنواع العلو اللائقة به: علو الذات، وعلو القدر والشأن، وعلو القهر والغلبة.

ومن أوضح ما يبين معنى علوه قول النبي ﷺ:

«اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء»
[رواه مسلم]

فقوله ﷺ:

«وأنت الظاهر فليس فوقك شيء»

يدل على أن الله سبحانه هو الأعلى الذي لا شيء فوقه.

وهذا وصف ثابت له، كما أن كونه «الأول» ثابت له، سواء وُجدت المخلوقات أم لم توجد.

فكما أنه كان الأول قبل وجود شيء من المخلوقات، فهو سبحانه الظاهر الأعلى الذي لا شيء فوقه.

هل يحتاج علو الله إلى وجود شيء تحته؟

لا.

الله سبحانه غني عن جميع خلقه، وليس علوه متوقفًا على العرش أو السماء أو أي مخلوق آخر.

فالمخلوق إذا كان عاليًا على شيء قد يكون محتاجًا إليه؛ فالإنسان الجالس على كرسي مثلًا يحتاج إلى ما يحمله، ولو أزيل من تحته سقط.

أما الله سبحانه فلا يقاس بالمخلوقات، فهو غني عن العرش وعن جميع العالمين.

فهو الذي خلق العرش ويحمله بقدرته، وليس العرش هو الذي يحمله.

ولهذا فقولنا إن الله عالٍ لا يعني أنه محتاج إلى شيء يكون تحته حتى تتحقق صفة العلو.

كيف نفهم العلو قبل وجود الخلق؟

إذا قيل: كيف كان الله عاليًا قبل خلق شيء يكون دونه؟

فالجواب أن استحقاق الله للعلو ثابت لذاته، فهو سبحانه «الأعلى» و«الظاهر» الذي ليس فوقه شيء.

أما نسبة العلو إلى مخلوق معين، كقولنا إن الله فوق السماوات وفوق العرش وفوق جميع الخلق، فإن ظهور هذه النسبة يكون بعد وجود تلك المخلوقات.

فيمكن التفريق بين أمرين:

أصل صفة العلو: وهو ثابت لله أزلًا ولا يتوقف على وجود الخلق.

ظهور نسبة العلو بين الله وبين المخلوقات: وهذا يتحقق عند خلق المخلوقات، فيكون الله فوقها.

ولهذا قال أهل العلم إن الله لم يزل عاليًا بذاته، ولكن ظهور تعلق هذا العلو بغيره مشروط بوجود ذلك الغير.

معنى «الظاهر» يوضح المسألة

سمى الله تعالى نفسه الظاهر، وفسر النبي ﷺ ذلك بقوله:

«وأنت الظاهر فليس فوقك شيء».

وهذه العبارة مهمة؛ لأن النبي ﷺ لم يقل فقط إن الله «فوق كل شيء»، وإنما قال: «ليس فوقك شيء».

فالمعنى أن العلو ثابت لله في نفسه، ولا يتوقف أصل هذا الوصف على وجود مخلوق حتى يكون الله أعلى منه.

ثم إذا خلق الله المخلوقات، كانت كلها دونه سبحانه، فلا يكون شيء منها فوقه.

الفرق بين العلو والاستواء على العرش

من المهم التفريق بين العلو والاستواء على العرش.

العلو صفة ذاتية، فالله لم يزل عاليًا.

أما الاستواء على العرش فهو من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته، وقد أخبر الله أنه وقع بعد خلق السماوات والأرض.

قال تعالى:

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[الأعراف: 54]

فالاستواء علو خاص على العرش، أما علو الله سبحانه فهو أعم وأثبت من ذلك.

ولهذا يمكن أن يقال: كل مستوٍ على شيء فهو عالٍ عليه، لكن ليس كل علو هو استواء.

فالله تعالى كان عاليًا قبل الاستواء على العرش، ثم استوى على العرش كما أخبر عن نفسه، على الوجه اللائق بجلاله.

هل كان هناك مخلوقات قبل عالمنا؟

ذكرت الفتوى أن بعض أهل العلم يرى أن الله لم يزل خالقًا، وأنه يجوز أن يكون قد خلق مخلوقات قبل هذا العالم المشاهد.

لكن حتى على القول بأن للمخلوقات بداية وأنه «كان الله ولا شيء غيره»، فإن الإشكال لا يبقى قائمًا؛ لأن علو الله ثابت لذاته، وليس مشروطًا بوجود مخلوق.

فهو سبحانه الأعلى والظاهر قبل الخلق، ثم إذا خلق الخلق كان فوقهم جميعًا.

لا نقيس صفات الله على صين

سبب الإشكال غالبًا هو تصور علو الله بالطريقة التي نتصور بها علو المخلوقات.

لكن الله تعالى يقول:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: 11]

فلا يجوز أن نقيس علو الله على علو جسم فوق جسم، أو مخلوق يعتمد على مكان أو شيء يحمله.

بل نثبت لله ما أثبته لنفسه على الوجه اللائق به، مع الإيمان بأنه غني عن جميع خلقه ولا يماثلهم في شيء من صفاته.

الخلاصة

علو الله تعالى صفة ذاتية لازمة له سبحانه، فهو العلي الأعلى والظاهر الذي ليس فوقه شيء، ولم يزل ولا يزال كذلك.

ولا يحتاج ثبوت هذه الصفة إلى وجود مخلوق يكون تحت الله؛ لأن استحقاقه للعلو ثابت له بذاته.

فإذا خلق الله المخلوقات ظهر تعلق هذا العلو بها، فكان سبحانه فوق جميع خلقه.

أما الاستواء على العرش فهو علو خاص وصفة فعلية متعلقة بمشيئته، وقد وقع بعد خلق السماوات والأرض، بخلاف أصل صفة العلو التي لم يزل الله متصفًا بها.

والله أعلم