الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا يثبت من جهة الرواية الصحيحة أن «الدائم» أو «الباقي» أو «المنير» من أسماء الله الحسنى؛ لأن الأحاديث التي ورد فيها سرد هذه الأسماء لا يصح منها شيء. ومع ذلك، فقد عدَّ بعض أهل العلم بعض هذه الألفاظ ضمن أسماء الله، اعتمادًا على اجتهادهم في النصوص ومعاني الأسماء.
ولهذا ينبغي التفريق بين ثبوت المعنى في حق الله وبين ثبوت اللفظ نفسه اسمًا من أسمائه الحسنى.
ورد لفظ «الدائم» في بعض الروايات، ومنها رواية:
«لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدائم، والله هو الدهر».
لكن زيادة «فإن الله هو الدائم» لم تثبت من طريق صحيح.
كما ورد اسم «الدائم» ضمن بعض طرق حديث سرد الأسماء الحسنى، لكن تلك الطرق ضعيفة.
ولهذا لا يثبت «الدائم» اسمًا لله تعالى من جهة الحديث الصحيح.
ومع ذلك، فإن معنى دوام الله وبقائه حق؛ فالله سبحانه لا يلحقه فناء ولا موت، لكن صحة المعنى لا تستلزم أن يكون كل لفظ يدل عليه اسمًا من أسماء الله.
ورد اسم «المنير» ضمن إحدى روايات سرد الأسماء الحسنى، وهي رواية ضعيفة.
ولم يثبت حديث صحيح مستقل يدل على أن «المنير» من أسماء الله تعالى.
ولهذا لا يصح الجزم بأنه من الأسماء الحسنى بمجرد وروده في تلك الرواية.
وهذه المسألة تبين أهمية قاعدة أن أسماء الله توقيفية، فلا يثبت منها اسم إلا بدليل صحيح.
ورد لفظ «الباقي» أيضًا في عدة روايات لسرد الأسماء الحسنى، لكنها طرق ضعيفة.
ومع ذلك، فقد عدَّه عدد من أهل العلم ضمن أسماء الله، منهم الخطابي وابن منده والحليمي والبيهقي وابن العربي والقرطبي وغيرهم.
ولهذا وقع فيه خلاف بين العلماء.
أما من جهة المعنى، فلا شك أن الله سبحانه باقٍ لا يلحقه فناء، لكن الاسم الثابت بالنص هو «الآخر».
قال النبي ﷺ:
«اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء»
[رواه مسلم]
فاسم «الآخر» يدل على بقاء الله سبحانه وأبديته.
ولهذا قال بعض أهل العلم: لا يثبت «الباقي» اسمًا مستقلًا، مع صحة الإخبار عن الله بأنه الباقي.
هذه من أهم النقاط في المسألة.
فليس كل لفظ يصح أن يُخبر به عن الله يكون بالضرورة اسمًا من أسمائه الحسنى.
فقد يصح أن نقول عن الله إنه باقٍ أو دائم من حيث المعنى، لأن الله لا يفنى ولا يزول، لكن هذا لا يعني أن «الباقي» و«الدائم» ثبتا اسمين شرعيين له.
باب الإخبار عن الله أوسع من باب أسمائه الحسنى، أما الأسماء فتحتاج إلى دليل خاص يدل على ثبوتها.
ثبت عن النبي ﷺ قوله:
«إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»
[رواه البخاري ومسلم]
لكن الروايات التي قامت بسرد هذه الأسماء واحدًا واحدًا لم تثبت عند جمهور أهل الحديث.
ولهذا وقع اختلاف في القوائم التي جمعها العلماء لأسماء الله الحسنى.
فقد يدخل اسم في قائمة عالم، ولا يذكره عالم آخر، بحسب اجتهاد كل منهم في دلالة النصوص وضوابط إثبات الاسم.
نعم.
فالعلماء الذين اعتنوا بجمع أسماء الله من القرآن والسنة اختلفوا في بعض الأسماء زيادة ونقصًا.
والسبب أن الأسماء الحسنى لم ترد في حديث صحيح على هيئة قائمة كاملة محددة، وإنما استخرج العلماء الأسماء من النصوص.
ولذلك كان الخلاف في بعض الألفاظ مثل «الباقي» ونحوه اجتهاديًا.
أما القاعدة التي يتفق عليها أهل السنة فهي أن أسماء الله توقيفية، فلا تثبت بمجرد القياس أو الاستحسان.
لا يثبت من جهة الرواية الصحيحة أن «الدائم» أو «المنير» أو «الباقي» من أسماء الله الحسنى، لأن الأحاديث التي ورد فيها سرد هذه الأسماء ضعيفة.
أما «الباقي» فقد عدَّه عدد من أهل العلم ضمن الأسماء الحسنى، بينما لم يثبته آخرون.
وكذلك «الدائم» معناه صحيح في حق الله، لكن لا يثبت اسمًا من طريق صحيح.
أما «المنير» فلم يثبت أيضًا بدليل صحيح.
والأدق أن يقال: الله سبحانه باقٍ دائم لا يفنى، لكن ثبوت المعنى لا يساوي بالضرورة ثبوت اللفظ اسمًا من أسمائه الحسنى.
والله أعلم