احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 738 2026-09-06

هل يختلف قرب المخلوقات من الله بحسب علوها ومكانها؟

السؤال
هل المخلوق الذي يكون أعلى مكانًا وأقرب إلى السماء يكون أقرب إلى الله تعالى؟ وهل كان النبي ﷺ عند عروجه إلى سدرة المنتهى أقرب إلى الله ممن في الأرض؟ وكيف يفهم هذا مع قرب الله من جميع خلقه؟
الإجابة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

بحسب ما قررته الفتوى، فإن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، والعرش فوق السماوات، ولذلك يكون بعض المخلوقات أقرب إلى الله من بعض باعتبار علوها ومكانها؛ فالعرش أقرب من السماوات، والسماء السابعة أقرب من السماء السادسة، وهكذا. وكان النبي ﷺ في عروجه وصعوده أقرب إلى الله ممن في الأرض.

وقد نص على هذا المعنى عدد من أئمة أهل السنة، ومنهم عبد الله بن المبارك والدارمي وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله.

علو الله تعالى فوق خلقه

تقوم هذه المسألة على إثبات علو الله تعالى على خلقه، وأنه سبحانه فوق سماواته مستوٍ على عرشه على الوجه اللائق بجلاله.

فإذا ثبت أن الله فوق خلقه، وأن عرشه فوق السماوات، ترتب على ذلك أن المخلوقات ليست جميعها سواء من جهة قرب المكان؛ فما كان أعلى وأقرب إلى العرش كان أقرب من هذه الجهة مما هو دونه.

وهذا لا يعني تشبيه الله بالمخلوقات أو القول باحتياجه إلى العرش أو السماء، تعالى الله عن ذلك، وإنما هو إثبات ما دلت عليه النصوص على الوجه اللائق بالله سبحانه.

هل السماء السابعة أقرب إلى الله من السماء الدنيا؟

نعم، على ما قررته الفتوى.

فالسماء السابعة أعلى من السماء السادسة، والسادسة أعلى من الخامسة، وهكذا، والعرش فوق السماوات.

ولهذا قرر الدارمي رحمه الله أن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله من السادسة، والسادسة أقرب من الخامسة، وهكذا إلى الأرض.

ونقل عن عبد الله بن المبارك رحمه الله قوله:

«رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفلها».

والمقصود بيان تفاوت المخلوقات في القرب المكاني بحسب علوها.

هل كان النبي ﷺ في المعراج أقرب إلى الله ممن في الأرض؟

نعم.

فالنبي ﷺ عندما عُرج به إلى السماوات وبلغ سدرة المنتهى، كان في ذلك الموضع أقرب إلى الله تعالى ممن بقي في الأرض أو كان في السماوات الأدنى.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن النبي ﷺ:

«لما عُرج به إلى السماء، صار يزداد قربًا إلى ربه بعروجه وصعوده».

فصعود النبي ﷺ في المعراج لم يكن مجرد انتقال بين بعض المخلوقات، بل تحقق معه قرب من الله تعالى بحسب علوه وصعوده، كما قرره أهل العلم المذكورون في الفتوى.

هل الملائكة أيضًا متفاوتون في القرب من الله؟

نعم، وبحسب هذا الأصل يكون الملائكة متفاوتين في القرب.

فحملة العرش أقرب إلى الله من الملائكة الذين هم دونهم، وملائكة السماء العليا أقرب من ملائكة السماوات الأدنى.

وقد وصف الله بعض الملائكة بالقرب، وهذا يتفق مع تفاوت منازل المخلوقات ومراتبها.

ماذا يعني أن «كل ما كان إلى السماء أقرب فهو إلى الله أقرب»؟

المقصود في كلام العلماء هنا القرب باعتبار المكان والعلو.

فإذا كان الله تعالى فوق سماواته، والعرش فوق السماوات، فإن الأعلى من المخلوقات يكون أقرب من هذه الجهة من المخلوق الذي هو أسفل منه.

ولهذا قال الدارمي رحمه الله:

«كل ما كان إلى السماء أقرب، كان إلى الله أقرب».

فليس المقصود أن مجرد الصعود المكاني يجعل الإنسان أفضل عند الله أو أكثر محبة له، وإنما الكلام هنا عن نوع معين من القرب يتعلق بالعلو والمكان.

القرب المكاني لا يعني زيادة المنزلة عند الله

ينبغي التفريق بين القرب المكاني الذي تتحدث عنه هذه المسألة، وبين القرب المعنوي وقرب المنزلة والمحبة والعبادة.

فقد يكون إنسان على جبل مرتفع أعلى مكانًا من مؤمن صالح موجود في مكان منخفض، لكن ذلك لا يعني أن الأول أفضل عند الله أو أحب إليه.

فالتفاضل في الإيمان والعبادة ليس بمجرد الارتفاع المكاني.

ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن روح المصلي تقرب إلى الله في السجود مع أن بدن الإنسان في السجود يكون في غاية التواضع والانخفاض.

فالقرب من الله ليس نوعًا واحدًا، ولا ينبغي الخلط بين القرب المكاني وبين قرب العبد من ربه بالطاعة والعبادة.

كيف نفهم ذلك مع قرب الله من خلقه؟

لا تعارض بين كون بعض المخلوقات أقرب إلى الله من بعض وبين ما جاء من قرب الله تعالى من عباده.

فالفتوى تنقل عن الدارمي أن قرب الله إلى خلقه لا يعني أنه سبحانه ينتقل أو يحتاج إلى أن يكون قريبًا منهم كقرب المخلوقات بعضها من بعض.

وفي الوقت نفسه يمكن أن تتفاوت المخلوقات نفسها في قربها منه بحسب مواقعها وعلوها.

ولهذا ينبغي عدم قياس صفات الله تعالى على أحوال المخلوقين.

الخلاصة

بحسب ما قرره أئمة أهل السنة المذكورون في الفتوى، فإن المخلوقات تتفاوت في قربها من الله باعتبار علوها ومكانها؛ فالعرش أقرب من السماوات، والسماء السابعة أقرب من السادسة، وهكذا.

ولهذا كان النبي ﷺ عند عروجه وصعوده إلى سدرة المنتهى أقرب إلى الله تعالى ممن في الأرض والسماوات الأدنى.

لكن هذا القرب المكاني لا يعني بالضرورة زيادة الإيمان أو المحبة أو المنزلة عند الله؛ فهذه معانٍ أخرى تتعلق بالإيمان والطاعة والعبادة.

فالمسألة تتعلق بإثبات علو الله تعالى على خلقه، مع تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقات.

والله أعلم.

هل غضب الله وانتقامه من صفات الكمال؟ وما الفرق بينهما وبين الحقد؟

السؤال

هل يوصف الله تعالى بالغضب والانتقام؟ وهل هذه الصفات تتعارض مع كماله سبحانه أو تشبه صفات البشر؟ وهل يجوز أن نصف الله بالحقد؟ وهل كل مصيبة تقع للإنسان تكون دليلًا على غضب الله أو انتقامه منه؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الغضب والانتقام ثابتان في حق الله تعالى بالنصوص الشرعية، وهما من صفات الكمال إذا وقعا في موضعهما بعدل وحكمة، ولا يشبه غضب الله وانتقامه غضب المخلوق وانتقامه. أما الحقد فلم يثبت في الكتاب ولا السنة، وهو معنى يتضمن نقصًا وضعفًا، ولذلك ينزه الله تعالى عنه. كما لا يجوز الجزم بأن كل مصيبة تصيب إنسانًا هي غضب من الله أو انتقام منه؛ فقد تكون ابتلاءً ورفعًا للدرجات وتكفيرًا للذنوب.

أسماء الله وصفاته تؤخذ من الكتاب والسنة

الأصل في باب أسماء الله وصفاته أن نثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

قال الله تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: 11]

فلا يجوز أن نجعل مشاعرنا أو تصوراتنا البشرية ميزانًا لقبول صفة لله أو ردها.

فقد يشترك اسم الصفة بين الخالق والمخلوق، لكن حقيقة صفة الله وكيفيتها تليق بجلاله ولا تماثل صفات البشر.

ولهذا فإن ورود الغضب أو الانتقام في النصوص لا يعني أن غضب الله كغضب الإنسان، أو أن انتقامه كحالات الانتقام البشري التي قد يحركها الظلم أو العجز أو الهوى.

هل يجوز وصف الله بالحقد؟

لا.

الحقد ليس من صفات الله تعالى، ولم يرد في القرآن أو السنة وصف الله به.

والحقد في أصل معناه يتضمن إمساك العداوة في القلب وانتظار الفرصة لإيقاع الأذى أو الانتقام.

وهذا المعنى يناسب ضعف المخلوق الذي قد يعجز عن مقابلة من أساء إليه، فيحتفظ بالعداوة وينتظر فرصة تمكنه منه.

أما الله سبحانه فهو القادر الذي لا يعجزه شيء، ولا يمنعه أحد من إنفاذ ما يشاء.

ولهذا كان الحقد معنى ناقصًا مذمومًا، وينزه الله تعالى عنه.

فلا يصح أن يقال إن الله «يحقد» على أحد.

هل غضب الله صفة ثابتة؟

نعم.

ورد إثبات الغضب لله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة.

قال سبحانه:

﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾
[البقرة: 61]

وقال تعالى:

﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾
[الشورى: 16]

وقال سبحانه فيمن اختار الكفر بعد الإيمان:

﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[النحل: 106]

فنثبت لله صفة الغضب كما جاءت في النصوص، على الوجه اللائق به سبحانه، من غير تشبيه بغضب المخلوقين.

وهل الانتقام ثابت لله تعالى؟

نعم، وقد جاء في القرآن نسبة الانتقام إلى الله.

قال تعالى:

﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾
[الأعراف: 136]

وقال سبحانه:

﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾
[الحجر: 79]

وقال تعالى:

﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الروم: 47]

فالانتقام هنا عقوبة عادلة لمن استحق العقوبة بسبب الكفر أو الظلم أو الإجرام.

وليس الانتقام الإلهي ناشئًا عن عجز أو اندفاع أو ظلم، وإنما هو جزاء بالعدل والحكمة.

كيف يكون الغضب والانتقام من صفات الكمال؟

الكمال ليس في الرحمة وحدها دون العدل، ولا في الرضا وحده دون الغضب ممن يستحق الغضب.

فمن كمال الله سبحانه أن يرحم أهل الطاعة، ويثيب المحسنين، ويحب التائبين، وأن يعاقب الظالمين والمكذبين والمعاندين إذا استحقوا العقوبة.

ولو كان لا يغضب من الظلم والكفر والفساد، ولا يعاقب من يستحق العقاب، لما كان ذلك كمالًا.

ولهذا بيّن أهل العلم أن اجتماع صفات الرحمة والعدل، والمحبة والبغض، والرضا والغضب، والعطاء والمنع، كل في موضعه الذي تقتضيه الحكمة، أكمل من الاقتصار على جانب واحد.

فالغضب والانتقام في حق الله ليسَا نقصًا؛ لأنهما يقعان بعدل كامل وحكمة تامة، ولا يظلم الله أحدًا.

اشتراك الأسماء لا يعني تماثل الصفات

قد يغضب الإنسان ويغضب الله تعالى، لكن لا يلزم من الاشتراك في لفظ «الغضب» التماثل في الحقيقة.

فالإنسان قد يغضب نتيجة تغير نفسي أو ضعف أو عجز، أما صفات الله فلا تقاس بأحوال المخلوقين.

والقاعدة أن ما أخبر الله به عن نفسه نثبته له كما يليق بجلاله، مع الإيمان بقوله:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: 11]

وهذا هو الجمع بين الإثبات والتنزيه: نثبت الصفة ولا نشبهها بصفات البشر.

هل كل مصيبة دليل على غضب الله؟

لا.

وهذا من الأخطاء الشائعة أن يرى الإنسان شخصًا أصابه مرض أو حادث أو مصيبة فيقول: «الله غاضب عليه» أو «الله انتقم منه».

لا يجوز الجزم بذلك من غير دليل.

فالمصائب قد تكون عقوبة في بعض الأحوال، لكنها قد تكون كذلك:

  •  

ابتلاءً واختبارًا.

  •  
  •  

تكفيرًا للذنوب.

  •  
  •  

رفعًا للدرجات.

  •  
  •  

سببًا في زيادة الأجر لمن صبر واحتسب.

  •  

وقد كان الأنبياء، وهم أفضل الخلق، من أشد الناس ابتلاءً.

وجاء في الحديث:

«إن من أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».

كما قال النبي ﷺ عن المرض والأذى الذي يصيب المسلم:

«ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته»
[رواه البخاري]

فوقوع المرض أو الإعاقة أو الحوادث ليس دليلًا في ذاته على أن المصاب مغضوب عليه.

ابتلاء المؤمن قد يكون رحمة ورفعة

قال الله تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[البقرة: 155-157]

فالآيات نفسها تصف من أصابتهم المصائب بأن لهم من الله صلوات ورحمة إذا صبروا.

ولهذا لا يصح أن نجعل كل بلاء علامة على السخط أو الانتقام.

الخلاصة

الغضب والانتقام ثابتان لله تعالى بالكتاب والسنة، وهما في حقه صفات وأفعال كمال؛ لأنهما يقعان بالعدل والحكمة وفي حق من يستحق ذلك، ولا يشبهان غضب المخلوق أو انتقامه.

أما الحقد فلا يوصف الله به؛ لأنه لم يرد به نص، ولأن معناه يتضمن نقصًا وضعفًا ينزه الله عنه.

كما أن المصيبة التي تصيب الإنسان لا يجوز أن نحكم بمجردها أن الله غاضب عليه أو ينتقم منه؛ فقد تكون ابتلاءً وتكفيرًا للذنوب ورفعًا للدرجات، وقد كان الأنبياء والصالحون من أشد الناس ابتلاءً.

فالواجب أن نعرف الله تعالى بما عرّف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، مع إثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن كل نقص ومماثلة للمخلوقين.

والله أعلم