الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الغضب والانتقام ثابتان في حق الله تعالى بالنصوص الشرعية، وهما من صفات الكمال إذا وقعا في موضعهما بعدل وحكمة، ولا يشبه غضب الله وانتقامه غضب المخلوق وانتقامه. أما الحقد فلم يثبت في الكتاب ولا السنة، وهو معنى يتضمن نقصًا وضعفًا، ولذلك ينزه الله تعالى عنه. كما لا يجوز الجزم بأن كل مصيبة تصيب إنسانًا هي غضب من الله أو انتقام منه؛ فقد تكون ابتلاءً ورفعًا للدرجات وتكفيرًا للذنوب.
الأصل في باب أسماء الله وصفاته أن نثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: 11]
فلا يجوز أن نجعل مشاعرنا أو تصوراتنا البشرية ميزانًا لقبول صفة لله أو ردها.
فقد يشترك اسم الصفة بين الخالق والمخلوق، لكن حقيقة صفة الله وكيفيتها تليق بجلاله ولا تماثل صفات البشر.
ولهذا فإن ورود الغضب أو الانتقام في النصوص لا يعني أن غضب الله كغضب الإنسان، أو أن انتقامه كحالات الانتقام البشري التي قد يحركها الظلم أو العجز أو الهوى.
لا.
الحقد ليس من صفات الله تعالى، ولم يرد في القرآن أو السنة وصف الله به.
والحقد في أصل معناه يتضمن إمساك العداوة في القلب وانتظار الفرصة لإيقاع الأذى أو الانتقام.
وهذا المعنى يناسب ضعف المخلوق الذي قد يعجز عن مقابلة من أساء إليه، فيحتفظ بالعداوة وينتظر فرصة تمكنه منه.
أما الله سبحانه فهو القادر الذي لا يعجزه شيء، ولا يمنعه أحد من إنفاذ ما يشاء.
ولهذا كان الحقد معنى ناقصًا مذمومًا، وينزه الله تعالى عنه.
فلا يصح أن يقال إن الله «يحقد» على أحد.
نعم.
ورد إثبات الغضب لله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة.
قال سبحانه:
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾
[البقرة: 61]
وقال تعالى:
﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾
[الشورى: 16]
وقال سبحانه فيمن اختار الكفر بعد الإيمان:
﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[النحل: 106]
فنثبت لله صفة الغضب كما جاءت في النصوص، على الوجه اللائق به سبحانه، من غير تشبيه بغضب المخلوقين.
نعم، وقد جاء في القرآن نسبة الانتقام إلى الله.
قال تعالى:
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾
[الأعراف: 136]
وقال سبحانه:
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾
[الحجر: 79]
وقال تعالى:
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الروم: 47]
فالانتقام هنا عقوبة عادلة لمن استحق العقوبة بسبب الكفر أو الظلم أو الإجرام.
وليس الانتقام الإلهي ناشئًا عن عجز أو اندفاع أو ظلم، وإنما هو جزاء بالعدل والحكمة.
الكمال ليس في الرحمة وحدها دون العدل، ولا في الرضا وحده دون الغضب ممن يستحق الغضب.
فمن كمال الله سبحانه أن يرحم أهل الطاعة، ويثيب المحسنين، ويحب التائبين، وأن يعاقب الظالمين والمكذبين والمعاندين إذا استحقوا العقوبة.
ولو كان لا يغضب من الظلم والكفر والفساد، ولا يعاقب من يستحق العقاب، لما كان ذلك كمالًا.
ولهذا بيّن أهل العلم أن اجتماع صفات الرحمة والعدل، والمحبة والبغض، والرضا والغضب، والعطاء والمنع، كل في موضعه الذي تقتضيه الحكمة، أكمل من الاقتصار على جانب واحد.
فالغضب والانتقام في حق الله ليسَا نقصًا؛ لأنهما يقعان بعدل كامل وحكمة تامة، ولا يظلم الله أحدًا.
قد يغضب الإنسان ويغضب الله تعالى، لكن لا يلزم من الاشتراك في لفظ «الغضب» التماثل في الحقيقة.
فالإنسان قد يغضب نتيجة تغير نفسي أو ضعف أو عجز، أما صفات الله فلا تقاس بأحوال المخلوقين.
والقاعدة أن ما أخبر الله به عن نفسه نثبته له كما يليق بجلاله، مع الإيمان بقوله:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[الشورى: 11]
وهذا هو الجمع بين الإثبات والتنزيه: نثبت الصفة ولا نشبهها بصفات البشر.
لا.
وهذا من الأخطاء الشائعة أن يرى الإنسان شخصًا أصابه مرض أو حادث أو مصيبة فيقول: «الله غاضب عليه» أو «الله انتقم منه».
لا يجوز الجزم بذلك من غير دليل.
فالمصائب قد تكون عقوبة في بعض الأحوال، لكنها قد تكون كذلك:
ابتلاءً واختبارًا.
تكفيرًا للذنوب.
رفعًا للدرجات.
سببًا في زيادة الأجر لمن صبر واحتسب.
وقد كان الأنبياء، وهم أفضل الخلق، من أشد الناس ابتلاءً.
وجاء في الحديث:
«إن من أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
كما قال النبي ﷺ عن المرض والأذى الذي يصيب المسلم:
«ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته»
[رواه البخاري]
فوقوع المرض أو الإعاقة أو الحوادث ليس دليلًا في ذاته على أن المصاب مغضوب عليه.
قال الله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[البقرة: 155-157]
فالآيات نفسها تصف من أصابتهم المصائب بأن لهم من الله صلوات ورحمة إذا صبروا.
ولهذا لا يصح أن نجعل كل بلاء علامة على السخط أو الانتقام.
الغضب والانتقام ثابتان لله تعالى بالكتاب والسنة، وهما في حقه صفات وأفعال كمال؛ لأنهما يقعان بالعدل والحكمة وفي حق من يستحق ذلك، ولا يشبهان غضب المخلوق أو انتقامه.
أما الحقد فلا يوصف الله به؛ لأنه لم يرد به نص، ولأن معناه يتضمن نقصًا وضعفًا ينزه الله عنه.
كما أن المصيبة التي تصيب الإنسان لا يجوز أن نحكم بمجردها أن الله غاضب عليه أو ينتقم منه؛ فقد تكون ابتلاءً وتكفيرًا للذنوب ورفعًا للدرجات، وقد كان الأنبياء والصالحون من أشد الناس ابتلاءً.
فالواجب أن نعرف الله تعالى بما عرّف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، مع إثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن كل نقص ومماثلة للمخلوقين.
والله أعلم