الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
صفات الله تعالى توقيفية، فلا نثبت لله صفة لمجرد أن العقل يراها كمالًا، وإنما الأصل في إثبات الصفات هو القرآن والسنة. وقد ثبتت صفة اليد لله تعالى بنصوص كثيرة، ولذلك يثبتها أهل السنة على الوجه اللائق بالله، من غير تشبيه ولا تكييف. وكل صفة ثبتت لله فهي صفة كمال، وصفة اليد من ذلك.
أما السؤال عن مقابلها، فالعدم المحض لهذه الصفة نقص؛ لأن الله وصف نفسه باليد، وذكر من آثارها الخلق والقبض والبسط والإعطاء، وكل ذلك من معاني القدرة والكمال والعظمة.
قال الله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾
[النحل: 60]
وقد فسَّر أهل العلم «المثل الأعلى» بالوصف الأعلى والكمال المطلق.
فما ثبت لله تعالى من الصفات فهو على أكمل وجه، لا يلحقه نقص ولا يشابه فيه المخلوقين.
ومن هنا ينبغي التنبيه إلى أن الطريق إلى معرفة صفات الله ليس أن نضع أولًا قائمة عقلية بصفات الكمال ثم ننسبها إليه، وإنما نبدأ بما أخبر الله به عن نفسه وما أخبر به رسوله ﷺ، ثم نعلم أن ما ثبت له سبحانه فهو كمال يليق بجلاله.
ورد إثبات اليد لله تعالى في نصوص واضحة.
قال سبحانه مخاطبًا إبليس:
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾
[ص: 75]
وقال تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[الزمر: 67]
فهذه النصوص تثبت اليد واليمين والقبض لله تعالى إثباتًا يليق به سبحانه.
جاءت السنة كذلك بإثبات هذه الصفة.
قال رسول الله ﷺ:
«يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»
[رواه البخاري ومسلم]
وقال ﷺ:
«لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه، حتى تكون مثل الجبل أو أعظم»
[رواه مسلم]
وجاء كذلك في الحديث أن الله تعالى يأخذ السماوات والأرض بيديه يوم القيامة.
ولهذا أثبت أئمة أهل السنة صفة اليد لله تعالى، مع تنزيهه عن مشابهة أيدي المخلوقين.
إثبات اليد لله لا يعني أن يده كيد الإنسان أو أي مخلوق.
فالقاعدة في جميع الصفات واحدة: نثبت المعنى الذي دل عليه النص، ولا نعلم كيفية الصفة، ولا نمثلها بصفات المخلوقين.
فكما أن لله علمًا لا يشبه علم البشر، وسمعًا لا يشبه سمعهم، وبصرًا لا يشبه أبصارهم؛ فكذلك له يدان تليقان بجلاله، لا تشبهان أيدي المخلوقين.
وقد نقل أبو الحسن الأشعري رحمه الله اتفاق أهل السنة على إثبات اليدين لله، فقال:
«وأجمعوا على أنه عز وجل يسمع ويرى، وأن له تعالى يدين مبسوطتين... من غير أن يكون جوارح».
فالإثبات عندهم مقترن بالتنزيه.
لأن النصوص لم تذكر اليد مجردة، بل ذكرت معها أفعالًا تدل على العظمة والقدرة والكمال.
فالله سبحانه خلق آدم بيديه، ويقبض ويبسط، ويعطي، والسماوات مطويات بيمينه يوم القيامة.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان وجه الكمال: إن من يمكنه أن يفعل بقدرته وكلامه ويديه إذا شاء أكمل ممن لا يمكنه ذلك.
فالكمال هنا ليس مأخوذًا من مجرد تصور بشري للعضو أو الجارحة، بل من الصفة كما أثبتها الله لنفسه وما يتعلق بها من أفعال الكمال.
ليس المقصود أن نقيس الله على الإنسان ثم نقول: الإنسان الذي له يد أكمل من الإنسان الذي فقدها، ثم ننقل هذا القياس إلى الله.
بل المقصود أن الله سبحانه أثبت لنفسه هذه الصفة ومدح نفسه بما يتعلق بها من الخلق والقبض والبسط والإعطاء، ولذلك فإن نفي ما أثبته الله لنفسه يتضمن سلب كمال أثبته سبحانه لنفسه.
وقد استدل أهل العلم أيضًا بقوله تعالى في الأصنام:
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾
[الأعراف: 195]
فذم الله الأصنام لعجزها وعدم قدرتها على الفعل والنفع والدفع.
وبيَّن الطبري رحمه الله أن الآية تحتج على المشركين بأن أصنامهم لا تملك ما تتمكن به من جلب نفع أو دفع ضر، فكيف تستحق العبادة؟
لا.
هذه نقطة مهمة في أصل السؤال.
فليس شرطًا لإثبات صفة لله أن نبحث أولًا عن نقيضها ونثبت أنه نقص.
بل إذا ثبتت الصفة لله في القرآن أو السنة الصحيحة، وجب إثباتها، وعلمنا أنها صفة كمال تليق بالله؛ لأن الله سبحانه لا يتصف بالنقص.
فالعلم والحياة والقدرة يظهر للإنسان بسهولة ما يقابلها من نقص، لكن ليس من الضروري أن تكون جميع الصفات على الصورة الذهنية نفسها حتى نثبت كمالها.
والمرجع الأول هو النص الشرعي، لا مجرد التقسيم العقلي.
العقل الصحيح لا يعارض النصوص الثابتة.
وقد قرر ابن القيم رحمه الله أن الموجود المتصف بالكلام والسمع والبصر والوجه واليدين أكمل من الفاقد لهذه الصفات، مع التأكيد على أن صفات الخالق لا تشبه صفات المخلوق.
ولهذا لم ير أهل السنة تعارضًا بين دلالة الوحي ودلالة العقل الصحيح في إثبات صفات الكمال لله.
لكن العقل لا يستقل بتحديد أسماء الله وصفاته، وإنما يهتدي بما جاء به الوحي.
صفة اليد ثابتة لله تعالى بالقرآن والسنة، ولذلك يثبتها أهل السنة لله على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه ولا تكييف.
وهي صفة كمال؛ لأن الله تعالى وصف نفسه بها، وربط بها أفعالًا من الخلق والقبض والبسط والإعطاء والعظمة.
ولا يشترط لإثبات كونها صفة كمال أن نحدد لها نقيضًا على الطريقة نفسها التي نقول بها إن الجهل نقيض العلم أو الموت نقيض الحياة؛ فالأصل أن كل ما ثبت لله تعالى من الصفات فهو كمال، والله منزه عن كل نقص.
أما عدم الصفة التي أثبتها الله لنفسه فهو سلب لكمال ثابت له سبحانه، مع التأكيد دائمًا أن يد الله تليق بجلاله ولا تشبه أيدي المخلوقين.
والله أعلم