احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 533 2026-09-07

هل يصح وصف الله بأن له شكلًا؟ وما الفرق بين الشكل والصورة؟

السؤال
هل يجوز أن نقول إن لله تعالى «شكلًا»؟ وإذا كان هذا اللفظ لا يصح، فكيف نفهم ما ورد في السنة من إثبات «الصورة» لله تعالى؟ وهل يجوز للإنسان أن يتخيل كيفية هذه الصورة؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

لا يقال عن الله تعالى إن له «شكلًا»؛ لأن هذا اللفظ لم يرد في القرآن ولا في السنة، ولأنه يحتمل معاني باطلة، منها المثل والشبيه. وأسماء الله وصفاته توقيفية، فلا يثبت منها إلا ما ثبت بالنص. أما «الصورة» فقد وردت في الأحاديث، فتثبت لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تكييف ولا تخيل.

صفات الله توقيفية

الأصل في أسماء الله وصفاته أن المسلم لا يصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ.

فليس كل لفظ يمكن أن يحمل معنى صحيحًا يجوز أن نجعله وصفًا لله، بل الواجب الوقوف عند الألفاظ الشرعية الثابتة.

ولهذا لا يصح أن نقول: «لله شكل» لمجرد أن بعض معاني كلمة الشكل قد تقترب من معنى الصورة؛ لأن اللفظ نفسه لم يرد في النصوص.

لماذا لا يقال: إن لله شكلًا؟

لفظ «الشكل» في اللغة له عدة معانٍ، منها الصورة، ومنها أيضًا الشبه والمثل.

والله سبحانه منزه عن المثل والشبيه.

قال تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]

وقال سبحانه:

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
[الإخلاص: 4]

وقال تعالى:

﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
[مريم: 65]

ولهذا يُترك لفظ «الشكل» لسببين:

أولًا: أنه لم يثبت في النصوص وصفًا لله تعالى.

وثانيًا: أنه لفظ محتمل قد يفهم منه معنى فاسد، كالمماثلة والمشابهة.

هل ثبتت «الصورة» لله تعالى؟

نعم، ورد لفظ الصورة في السنة.

قال النبي ﷺ:

«خلق الله آدم على صورته»
[رواه البخاري ومسلم]

وجاء في حديث الشفاعة:

«فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة»
[رواه البخاري ومسلم]

ولهذا أثبت عدد من أئمة أهل السنة الصورة لله تعالى كما جاءت في النصوص، مع التأكيد على أنها صورة تليق بالله سبحانه ولا تشبه صور المخلوقين.

إثبات الصورة لا يعني التشبيه

إثبات صفة لله ووجود نظير للاسم عند المخلوق لا يعني التماثل في الحقيقة.

فالله سبحانه سميع، والمخلوق قد يوصف بالسمع، لكن سمع الله ليس كسمع المخلوق.

والله بصير، والمخلوق يبصر، لكن بصر الله ليس كبصره.

وكذلك ما ثبت من الوجه واليد وغير ذلك من الصفات؛ يثبت لله على الوجه اللائق به، من غير تمثيل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معنى ورود لفظ الصورة:

«لفظ الصورة في الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات».

أي أن القاعدة فيها هي القاعدة نفسها في بقية الصفات: إثبات بلا تشبيه.

كيف نفهم حديث «خلق الله آدم على صورته»؟

بيّن أهل العلم أن الحديث لا يعني أن الله يماثل آدم في صورته.

فالرسول ﷺ الذي أخبر بهذا الحديث هو نفسه الذي بلّغ قول الله تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.

فلا يمكن أن يكون الحديث دالًا على مماثلة الخالق للمخلوق.

وقد قرر العلماء أن اشتراك شيئين في بعض الألفاظ أو الصفات لا يعني أنهما متماثلان من كل وجه.

فصفات الله كاملة تليق به، وصفات المخلوق محدودة ناقصة تليق به.

لماذا نقول «الصورة» ولا نقول «الشكل»؟

لأن الفرق هنا ليس قائمًا على مجرد تقارب المعنى اللغوي، وإنما على ورود النص.

فلفظ «الصورة» ورد في الأحاديث، ولذلك يثبت كما ورد.

أما لفظ «الشكل» فلم يثبت وصفًا لله تعالى، مع كونه يحمل معاني متعددة، بعضها لا يجوز في حق الله.

ولهذا يكون الأسلم والأدق أن نلتزم التعبير الشرعي فنقول بما ورد، ولا نستبدله بألفاظ أخرى محتملة.

هل يجوز تخيل صورة الله؟

لا.

أهل السنة يثبتون ما ثبت من الصفات، لكنهم لا يتخيلون كيفيتها.

فالإنسان لا يعلم كيفية ذات الله ولا كيفية صفاته؛ لأن الله لم يخبرنا بذلك، وليس له سبحانه نظير يمكن أن نقيسه عليه.

قال الطحاوي رحمه الله:

«لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام».

وقال ابن قدامة رحمه الله:

«لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير».

فإذا خطر في ذهن الإنسان تصور معين، فإنه يعلم أن الله سبحانه ليس كذلك؛ لأن كل ما يستطيع الإنسان تخيله مستمد من عالم المخلوقات.

لماذا نمنع التكييف مع إثبات الصفة؟

لأن معرفة وجود الصفة شيء، ومعرفة كيفيتها شيء آخر.

نحن نعلم أن الله يسمع ويرى، لكننا لا نعلم كيفية سمعه وبصره.

وكذلك نثبت ما ثبت في النصوص من الصورة وسائر الصفات، لكن لا نحاول رسم هيئة لها في الذهن أو تحديد كيفيتها.

فالمطلوب هو الإيمان بالنص مع التنزيه عن المماثلة.

الخلاصة

لا يصح أن يقال: «إن لله شكلًا»؛ لأن هذا اللفظ لم يرد في الكتاب أو السنة، كما أنه يحتمل معنى الشبه والمثل الذي ينزه الله عنه.

أما الصورة فقد وردت في السنة، فتثبت لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف.

ولا يجوز للإنسان أن يحاول تخيل كيفية ذات الله أو صورته؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولم يخبرنا بكيفية صفاته.

فالمنهج الصحيح هو: إثبات ما ورد، ونفي المماثلة، وترك الخوض في الكيفية.

والله أعلم.

هل تشبيه السماوات بالخردلة في يد الإنسان يتضمن تشبيهًا لله بخلقه؟

السؤال

ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم». فهل هذا الأثر ثابت؟ وإذا صح، فهل يتضمن تشبيه قبض الله تعالى للسماوات بقبض الإنسان للخردلة؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

هذا الأثر روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده كلام عند أهل العلم بسبب عمرو بن مالك النكري، إلا أن جماعة من المحدثين وثقوه أو اعتبروا بحديثه، كما أن معنى الأثر تشهد له نصوص صحيحة من القرآن والسنة. وليس فيه تشبيه لصفة الله بصفة المخلوق، وإنما المقصود تقريب معنى صغر السماوات والأرض بالنسبة إلى عظمة الله تعالى.

ما صحة الأثر عن ابن عباس؟

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:

«ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله عز وجل إلا كخردلة في يد أحدكم».

وقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد والطبري.

ومدار إسناده على عمرو بن مالك النكري، وقد اختلف أهل الحديث في درجة ضبطه.

فبعض المحققين ضعّف الأثر بسبب الكلام في روايته، لكن آخرين وثقوا عمرو بن مالك أو رأوا أن حديثه يعتبر به، ومنهم يحيى بن معين، كما وصفه ابن حبان في موضع بأنه صدوق اللهجة، وذكر أن المناكير اشتهرت من رواية ابنه عنه.

ولهذا فالأثر ليس من النصوص التي لا خلاف في صحتها، لكن معناه العام تؤيده نصوص صحيحة ثابتة.

ما الذي يشهد لمعنى الأثر؟

قال الله تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[الزمر: 67]

كما ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن حبرًا من اليهود ذكر للنبي ﷺ أن الله يجعل السماوات والأرض وسائر الخلائق على أصابع، فضحك النبي ﷺ تصديقًا لقوله، ثم تلا هذه الآية.

فهذه النصوص تدل على عظمة الله تعالى، وعلى ضآلة هذه المخلوقات العظيمة بالنسبة إلى قدرته وعظمته.

هل في قول «كخردلة في يد أحدكم» تشبيه لله بالإنسان؟

لا.

وجه التشبيه هنا ليس بين يد الله ويد الإنسان، ولا بين قبض الله وقبض الإنسان.

وإنما التشبيه واقع على صغر المخلوقات بالنسبة إلى عظمة الله.

فالمعنى: كما أن حبة الخردل شيء بالغ الصغر في يد الإنسان، فإن السماوات والأرض على عظمها بالنسبة إلى عظمة الله تعالى أصغر وأحقر من أن تقاس بعظمته سبحانه.

ولهذا فالمثل لا يراد به بيان كيفية صفة الله، وإنما تقريب معنى يمكن للعقل البشري أن يدركه.

ما المقصود بالتشبيه في الأثر؟

هناك فرق بين نوعين من التشبيه:

الأول: تشبيه صفة الله بصفة المخلوق، كأن يقال إن يد الله كيد الإنسان أو إن قبضه كقبضه، وهذا باطل.

والثاني: ضرب مثل يتعلق بالمخلوق لبيان معنى معين، وهذا هو المقصود هنا.

فالتشبيه بين:

صغر الخردلة بالنسبة إلى يد الإنسان

وبين:

صغر السماوات والأرض بالنسبة إلى عظمة الله تعالى.

وليس بين الله والإنسان.

كيف شرح العلماء هذا الأثر؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بعد ذكر أثر ابن عباس، إن الله سبحانه بين لعباده من عظمته بقدر ما تستطيع عقولهم فهمه.

أي أن المقصود تقريب معنى عظمة الله وصغر جميع الخلق أمامها.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في معنى الأثر: إن السماوات السبع والأرضين السبع، مع عظمها، كمثل حبة خردل في يد الإنسان، وأن هذا تمثيل على سبيل التقريب، وإلا فالله أعظم وأجل.

كما بيّن الشيخ صالح الفوزان أن هذا:

تشبيه لصغر المخلوقات بالنسبة إلى الله، وليس تشبيهًا لله أو لصفة من صفاته بصفات المخلوقين.

وهذا هو الفرق الأساسي في فهم الكلام.

هل ضرب الأمثال يؤدي إلى التمثيل؟

ليس كل تشبيه أو مثل في الكلام الشرعي يعني تمثيل الخالق بالمخلوق.

فقد يستعمل المثال لتقريب معنى معين إلى الذهن، مع بقاء الفرق العظيم بين الخالق والمخلوق.

وفي هذا الأثر لم يُذكر شيء يحدد كيفية يد الله أو كيفية قبضه، وإنما استعمل شيء معروف عند الإنسان، وهو صغر حبة الخردل في اليد، لتقريب معنى ضآلة المخلوقات أمام عظمة الله.

ولهذا لا يجوز أن نتجاوز المعنى المقصود ونبني عليه تصورًا لكيفية صفات الله تعالى.

إثبات الصفات لا يعني معرفة كيفيتها

القرآن أثبت لله القبضة واليمين، فنثبت ما أثبته الله لنفسه على الوجه اللائق به.

لكننا لا نقول إن قبض الله كقبض الإنسان، ولا إن يده كيده؛ لأن صفات الله لا تشبه صفات خلقه.

فالإيمان بالصفة شيء، وتصور كيفيتها شيء آخر.

والواجب هو إثبات ما ثبت، مع نفي التشبيه والتمثيل.

الخلاصة

أثر ابن عباس رضي الله عنهما روي بإسناد وقع فيه خلاف من جهة عمرو بن مالك النكري، لكن معناه تؤيده نصوص صحيحة تدل على عظمة الله تعالى وصغر المخلوقات بالنسبة إليه.

ولا يتضمن قوله:

«كخردلة في يد أحدكم»

تشبيه يد الله بيد الإنسان، ولا قبض الله بقبضه.

وإنما هو مثل تقريبي لصغر السماوات والأرض بالنسبة إلى عظمة الله، كصغر حبة الخردل بالنسبة إلى يد الإنسان.

فالتشبيه وقع في صغر المخلوق بالنسبة إلى العظمة، لا في ذات الله ولا في صفاته.

والله أعلم