احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 844 2026-09-07

ما معنى أن رؤية الله في الآخرة «حسية»؟

السؤال
يقول بعض العلماء إن المؤمنين يرون الله تعالى في الآخرة رؤية حسية. فما المقصود بذلك؟ وهل يتعارض هذا مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات، أو مع الكلام على أن الله لا يوصف بالمكان أو الوجود الحسي على طريقة الأجسام؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

المقصود بقول العلماء إن رؤية الله في الآخرة «حسية» أن المؤمنين يرون الله تعالى بأبصارهم حقيقة، أي بحاسة البصر، لا أن الرؤية مجرد علم قلبي أو معرفة معنوية. ولا يلزم من ذلك تشبيه الله بالمخلوقات أو وصفه بخصائص الأجسام؛ فإثبات الرؤية شيء، وتشبيه المرئي بالمخلوق شيء آخر.

رؤية الله في الآخرة تكون بالأعين

دلت نصوص القرآن والسنة على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأعينهم.

قال الله تعالى:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[القيامة: 22-23]

وثبت عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه:

«هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟»
قالوا: لا.
فقال: «فإنكم ترونه كذلك»
[رواه البخاري ومسلم]

وقال ﷺ:

«إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته»
[رواه البخاري ومسلم]

وجاء في صحيح البخاري:

«إنكم سترون ربكم عيانًا».

ومعنى «عيانًا»: رؤية حقيقية بالأبصار.

هل التشبيه بالقمر يعني أن الله يشبه القمر؟

لا.

النبي ﷺ لم يشبه الله بالقمر، وإنما شبَّه وضوح الرؤية بالرؤية.

أي: كما أن الناس يرون القمر ليلة البدر رؤية واضحة لا يشتبه عليهم وجوده، فإن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة رؤية حقيقية واضحة.

فالتشبيه هنا بين الرؤيتين، لا بين الله تعالى وبين القمر.

ماذا يعني لفظ «حسية» هنا؟

لفظ «حسية» في هذا السياق يراد به ببساطة:

أن الرؤية تحصل بواسطة حاسة البصر.

فكما أن الإنسان يسمع بحاسة السمع، فإنه يرى بحاسة البصر.

ولا يراد بقول العلماء «رؤية حسية» أن الله جسم كالأجسام، أو أن ذاته مماثلة لما تدركه حواسنا من المخلوقات.

ولهذا ينبغي فهم المصطلح بحسب السياق الذي استعمل فيه.

هل أهل السنة ينفون «الوجود الحسي» عن الله؟

لفظ «الوجود الحسي» من الألفاظ المجملة التي لم يرد بها الكتاب والسنة، ولذلك لا يصح إطلاق النفي أو الإثبات دون معرفة المقصود.

فإن كان المقصود بقول شخص: «الله ليس وجودًا حسيًا» أنه لا يمكن أن يُرى بالأبصار في الآخرة، فهذا المعنى باطل؛ لأن النصوص دلت على أن المؤمنين يرونه.

أما إن كان يقصد نفي مشابهة الله للأجسام والمخلوقات، فهذا معنى صحيح من حيث الأصل؛ لأن الله تعالى قال:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]

ولهذا فالأفضل ترك الألفاظ المحتملة والاعتماد على العبارات الشرعية الواضحة.

وما علاقة ذلك بالكلام عن المكان؟

لفظ «المكان» كذلك من الألفاظ التي تحتاج إلى تفصيل.

فلا يقال بإطلاق: الله في مكان، ولا: الله ليس في مكان، حتى يعرف المقصود.

فإن أريد بالمكان شيء مخلوق يحيط بالله أو يحتويه، فهذا باطل؛ فالله سبحانه لا يحويه شيء من خلقه ولا يحتاج إلى شيء منها.

أما إن كان المقصود نفي علو الله فوق خلقه واستوائه على عرشه، فهذا مخالف لما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة بحسب ما تقرره الفتوى الأصلية.

وبالتالي لا علاقة بين إثبات رؤية الله بالأبصار وبين القول إن مخلوقًا يحيط بالله أو يحتويه.

الرؤية لا تستلزم الإحاطة بالله

من المهم التفريق بين الرؤية والإحاطة.

فالإنسان قد يرى شيئًا دون أن يحيط بحقيقته أو بكل تفاصيله.

والله تعالى يقول:

﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾
[الأنعام: 103]

فإثبات رؤية المؤمنين لله في الآخرة لا يعني أنهم يحيطون بذاته سبحانه أو يدركون كيفيته.

بل يرونه كما أخبرت النصوص، مع بقاء كماله وتنزهه عن مشابهة المخلوقين.

السمع أيضًا يوضح المقصود

كما أن الله تعالى يرى في الآخرة، فقد دلّت النصوص أيضًا على أنه يكلم من شاء من عباده ويسمعون كلامه.

فالعبد يسمع كلام الله بالحاسة التي خلقها الله له للسمع، ولا يلزم من ذلك أن يكون كلام الله ككلام البشر.

وكذلك يرى المؤمن الله ببصره، ولا يلزم أن يكون الله مشابهًا لما يراه الإنسان من المخلوقات.

هل إثبات الرؤية يخالف تنزيه الله؟

لا.

طريقة أهل السنة تقوم على الجمع بين أمرين:

إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته للمخلوقات.

فكما أنه سبحانه سميع بصير وليس سمعه وبصره كسمع المخلوقين وأبصارهم، فكذلك يرى المؤمنون ربهم في الآخرة رؤية حقيقية، من غير أن يلزم من ذلك تشبيه الله أو معرفة كيفية رؤيته.

الخلاصة

قول العلماء إن رؤية الله في الآخرة «حسية» يعني أن المؤمنين يرونه حقيقة بأعينهم وبحاسة البصر، وليس المقصود مجرد معرفة الله بالقلب.

وهذا ثابت في القرآن والسنة، ولا يتعارض مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات.

أما ألفاظ مثل «الوجود الحسي» و**«المكان الحسي»** فهي ألفاظ مجملة؛ فلا ينبغي بناء العقيدة عليها دون بيان المراد منها.

فالعبارة الأوضح والأدق هي:

الله تعالى موجود حقيقة، ليس كمثله شيء، والمؤمنون يرونه بأبصارهم في الآخرة كما أخبرت بذلك النصوص، من غير تشبيه ولا تكييف ولا إحاطة بكيفيته.

والله أعلم.