الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
عدم ضجر الله تعالى من كثرة سؤال عباده وإلحاحهم عليه معنى صحيح تدل عليه النصوص، لكن هذا ليس هو المعنى المباشر لاسم الله «الحليم». فالحِلم يتعلق أساسًا بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بالعقوبة مع القدرة عليهم، أما الإلحاح في الدعاء فهو طاعة يحبها الله ويأمر بها عباده.
قال أبو إسحاق الزجاج رحمه الله:
«الحليم: هو الذي لا يعاجل بالعقوبة».
وقال الخطابي رحمه الله إن الحليم هو الذي لا يعجل بالعقوبة، مع كمال القدرة، وإنما يكون الحلم كمالًا إذا كان صاحبه قادرًا على المؤاخذة ثم يمهل ويصفح.
ولهذا تدور عبارات أهل العلم في معنى اسم الله «الحليم» حول:
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في معنى الحليم: إن حلم الله يمنع نزول العقوبة بالعاصين عاجلًا، فيمهلهم لعلهم يتوبون وينيبون.
فمتعلق الحلم إذن هو المعصية والذنب، لا الطاعة.
الإلحاح في الدعاء عبادة محبوبة لله تعالى.
فالعبد حين يكرر دعاءه ويتذلل لله ويسأله حاجاته لا يفعل شيئًا يحتاج الله إلى أن «يحلم» عنه، بل هو قائم بطاعة من أجلّ الطاعات.
ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى الاستمرار في الدعاء وعدم استعجال الإجابة، فقال:
«يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي»
[رواه البخاري ومسلم]
وفي رواية مسلم أن الاستعجال هو أن يقول الإنسان: دعوت ودعوت فلم أر يستجاب لي، فيترك الدعاء.
فالمطلوب من المسلم أن يستمر في سؤال ربه، ولا يمل من الدعاء ولو تأخرت الإجابة.
ذكر ابن رجب رحمه الله أن من أسباب إجابة الدعاء:
«الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته».
فالافتقار المتكرر إلى الله، والاستمرار في السؤال، والرجاء فيه، من أحوال العبودية التي يحبها الله.
ولهذا لا ينبغي أن يظن الإنسان أن كثرة سؤاله لله قد تكون مكروهة أو أن الله يضجر منها.
دلت النصوص على سعة فضل الله وعدم انقطاع عطائه.
قال النبي ﷺ:
«عليكم من العمل ما تطيقون؛ فوالله لا يمل الله حتى تملوا»
[رواه البخاري ومسلم]
وقد فسر جماعة من أهل العلم هذا الحديث بأن الله لا يقطع ثوابه وفضله عن عباده حتى يتركوا هم العمل، وأن المقصود حثهم على العمل الدائم الذي يطيقونه.
وذكر ابن عبد البر رحمه الله أن الله تعالى لا يدخله الملال كما يدخل المخلوقين، وإنما جاء التعبير في الحديث على أسلوب المقابلة المعروف في لغة العرب.
ومن أجمل ما يدل على سعة عطاء الله أن النبي ﷺ قال:
«ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها».
فقال الصحابة:
«إذًا نكثر».
فقال ﷺ:
«الله أكثر».
أي أن فضل الله وعطاءه أعظم من كثرة سؤال العباد.
قال النبي ﷺ:
«إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم ينقص ما في يمينه»
[رواه البخاري ومسلم]
فالله سبحانه لا تنفد خزائنه، ولا ينقص ملكه مهما أعطى عباده.
ولهذا كان كثرة السؤال والإلحاح على الله أمرًا مشروعًا محبوبًا.
ثبت عن النبي ﷺ أن الله تعالى يقول في الثلث الأخير من الليل:
«من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟»
[رواه البخاري ومسلم]
فالله سبحانه هو الذي يدعو عباده إلى أن يسألوه، ويكرروا الدعاء، ويطلبوا منه حاجاتهم.
ولهذا لا معنى للخوف من أن يكون تكرار الدعاء سببًا في الضجر أو السآمة.
الفرق أن:
الحِلم يتعلق بإمهال العاصي وتأخير عقوبته مع القدرة عليه.
أما عدم الضجر من الدعاء وكثرة العطاء فيدل عليه كمال غنى الله وجوده وكرمه وسعة فضله ورحمته.
فالمعنيان صحيحان، لكن لا ينبغي إدخال أحدهما في تعريف الآخر بلا دليل.
اسم الله «الحليم» لا يعني في الأصل أنه لا يضجر من إلحاح السائلين، وإنما يدل على أنه سبحانه لا يعاجل العصاة بالعقوبة، بل يمهلهم ويفتح لهم باب التوبة مع كمال قدرته عليهم.
أما إلحاح العبد في الدعاء فهو طاعة يحبها الله تعالى، وقد أرشد النبي ﷺ إلى الاستمرار في الدعاء وعدم استعجال الإجابة.
والله سبحانه لا تنقص خزائنه بكثرة السؤال، بل يدعو عباده إلى دعائه، ويمن عليهم بالعطاء، ولذلك لما قال الصحابة: «إذًا نكثر» قال النبي ﷺ: «الله أكثر».
والله أعلم