الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ثبت أصل قصة نزول ملك إلى النبي ﷺ وتخييره بين أن يكون ملكًا نبيًا أو عبدًا رسولًا، لكن الرواية الصحيحة لا تسمّي هذا الملك. أما الروايات التي صرحت بأنه إسرافيل عليه السلام فهي ضعيفة، فلا يصح الجزم بأن الملك كان إسرافيل. وكذلك لم يثبت في السنة الصحيحة أن إسرافيل كان من الملائكة الذين أُرسلوا إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام.
ما الذي ثبت في قصة تخيير النبي ﷺ؟
ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام كان جالسًا إلى النبي ﷺ، فنزل ملك، فقال جبريل:
«إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خُلق قبل الساعة».
ثم قال الملك للنبي ﷺ:
«يا محمد، أرسلني إليك ربك، أفملكًا نبيًا يجعلك، أو عبدًا رسولًا؟»
فقال جبريل:
«تواضع لربك يا محمد».
فقال النبي ﷺ:
«بل عبدًا رسولًا».
وقد رواه الإمام أحمد وغيره، وذكر الهيثمي أن رجال بعض طرقه رجال الصحيح.
فالثابت هنا أن ملكًا نزل بهذه الرسالة، لكن الرواية لا تذكر اسمه.
هل ثبت أن هذا الملك هو إسرافيل؟
وردت عدة روايات تسميه إسرافيل عليه السلام، لكنها لا تخلو من ضعف.
فمنها رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما جاء فيها:
«وهو إسرافيل»،
لكن في إسنادها أيوب بن نهيك، وقد ضعفه أئمة الحديث، كما أن الراوي عنه يحيى بن عبد الله البابلتي ضعيف أيضًا.
ووردت رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما تصرح بأن إسرافيل نزل إلى النبي ﷺ، لكن في إسنادها رواة مجهولون أو متكلم فيهم، وذكر الشيخ الألباني أن من زياداتها المنكرة تسمية الملك بإسرافيل.
كما جاءت رواية أخرى عن ابن عباس فيها أن جبريل قال:
«هذا إسرافيل»،
لكن في سندها محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو مشهور بسوء الحفظ وكثرة الوهم.
ولهذا فالصواب أن يقال:
أصل القصة ثابت، أما تعيين الملك بأنه إسرافيل فلم يثبت بإسناد صحيح.
هل هناك تعارض مع قول الملك إنه لم ينزل من قبل؟
لا يوجد تعارض؛ لأن الرواية الصحيحة لم تقل أصلًا إن هذا الملك هو إسرافيل.
فلو ثبت في خبر آخر أن إسرافيل نزل إلى الأرض قبل ذلك، لما تعارض مع الحديث الصحيح؛ لأننا لا نعلم أن الملك المذكور فيه هو إسرافيل.
أما بناء التعارض على رواية ضعيفة تسمي الملك بإسرافيل، ثم مقارنتها بروايات أخرى ضعيفة، فلا يصح.
هل الملائكة الذين أُرسلوا إلى إبراهيم ولوط كانوا جبريل وميكائيل وإسرافيل؟
قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام:
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾
[هود: 69]
وثبت من القرآن أن الذين جاءوا إبراهيم كانوا ملائكة، ثم توجهوا إلى قوم لوط.
لكن أسماء هؤلاء الملائكة لم تثبت في السنة الصحيحة.
وقد نقل بعض المفسرين أقوالًا في تعيينهم، فقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وقيل غير ذلك، واختلفوا حتى في عددهم.
فقال بعضهم إنهم ثلاثة، وقال آخرون تسعة، وقيل أحد عشر، ورويت أقوال أخرى.
وهذا الاختلاف نفسه يدل على عدم وجود نص صحيح صريح يحسم أسماءهم.
ماذا ورد عن السلف في أسمائهم؟
نُقل عن بعض أهل العلم والمفسرين أن الملائكة كانوا جبريل وميكائيل وإسرافيل، لكن هذه الأقوال لم تثبت بإسناد صحيح إلى النبي ﷺ، ولا يثبت بعضها حتى عن الصحابة.
وغاية ما ورد مسندًا في بعض المصادر هو أقوال لبعض التابعين، ومنها قول إنهم كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفائيل.
وهذه الأخبار لا تكفي للجزم بتعيين الأسماء في أمر من أمور الغيب.
لماذا يجب التوقف في مثل هذه التفاصيل؟
أسماء الملائكة وأعمالهم من أمور الغيب، والغيب لا يثبت بالتخمين أو بمجرد ورود خبر في بعض كتب التفسير.
فالواجب أن نثبت ما ثبت بالدليل الصحيح، ونتوقف فيما لم يثبت.
ولهذا لا يقال على سبيل الجزم:
إن إسرافيل هو الذي نزل بتخيير النبي ﷺ،
ولا:
إن إسرافيل كان من الملائكة الذين جاءوا إبراهيم ولوطًا عليهما السلام،
لأن الدليل الصحيح لا يثبت ذلك.
الخلاصة
ثبت أن ملكًا نزل إلى النبي ﷺ وخيّره بين أن يكون ملكًا نبيًا أو عبدًا رسولًا، فاختار ﷺ أن يكون عبدًا رسولًا، لكن اسم هذا الملك لم يثبت في الرواية الصحيحة.
أما الروايات التي تسميه إسرافيل عليه السلام فهي ضعيفة، ولذلك لا يصح الجزم بذلك.
وكذلك لم يثبت في السنة الصحيحة أن إسرافيل كان من الملائكة الذين أرسلوا إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام؛ وما ورد في تحديد أسمائهم أقوال مختلفة لا تقوم بها حجة قاطعة.
والله أعلم