الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الثابت عن النبي ﷺ أن الملائكة خُلقت من نور، دون تحديد ماهية هذا النور أو وصفه. أما الأثر المنقول عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في أن الملائكة خُلقت «من نور الذراعين والصدر»، فهو موقوف عليه ولم يرفعه إلى النبي ﷺ، وقد رأى عدد من أهل العلم أنه يحتمل أن يكون مما أخذه من أخبار أهل الكتاب؛ ولذلك لا يصح الاعتماد عليه لإثبات هذه الكيفية في خلق الملائكة.
الثابت أن الملائكة خُلقت من نور
روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال:
«خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ»
[رواه مسلم]
فهذا حديث صحيح وصريح في أصل خلق الملائكة من نور.
لكن النبي ﷺ لم يحدد في هذا الحديث نوع هذا النور أو مصدره، ولذلك نقف عند ما ثبت: أن الملائكة خُلقت من نور.
ما صحة أثر «من نور الذراعين والصدر»؟
رُوي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال:
«خلق الله عز وجل الملائكة من نور الذراعين والصدر».
وقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد في «السنة» وغيره.
وإسناده إلى عبد الله بن عمرو رجاله ثقات، لكن المشكلة ليست في ذلك، وإنما في أن الخبر موقوف على عبد الله بن عمرو، أي أنه من كلامه، ولم يقل فيه: قال رسول الله ﷺ.
ومن هنا يأتي السؤال: هل يمكن إعطاؤه حكم الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ لأنه يتحدث عن أمر غيبي؟
متى يكون كلام الصحابي في الغيب له حكم المرفوع؟
ذكر أهل الحديث والأصول أن الصحابي إذا أخبر بأمر غيبي لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، فقد يكون لكلامه حكم المرفوع؛ لأن الأصل أنه لا يستطيع معرفة مثل هذا الأمر من نفسه.
لكن لهذا ضوابط، ومن أهمها ألا يكون الصحابي ممن عُرف عنه الاطلاع على أخبار أهل الكتاب والرواية عنها.
وقد لخّص الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله هذه القاعدة بأن كلام الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه يكون في حكم المرفوع إذا لم يُعرف الصحابي بالأخذ من الإسرائيليات.
وهذه النقطة مؤثرة في أثر عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
عبد الله بن عمرو كان يطّلع على كتب أهل الكتاب
كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ممن عرف عنهم الاطلاع على بعض أخبار أهل الكتاب والتحديث بشيء منها.
وقد ذكر الذهبي رحمه الله أنه كان يروي عن جماعة من الصحابة وعن أهل الكتاب، وأنه «أدمن النظر في كتبهم واعتنى بذلك».
ولهذا لا يمكن الجزم بأن كل خبر غيبي موقوف عليه قد تلقاه عن النبي ﷺ؛ إذ يحتمل أن يكون بعض ذلك مما اطلع عليه في كتب أهل الكتاب.
وهذا الاحتمال قائم بصورة خاصة في الأخبار المتعلقة ببدء الخلق وتفاصيله.
هل يجوز تصديق أخبار أهل الكتاب؟
أذن النبي ﷺ في التحديث عن بني إسرائيل، لكن هذا لا يعني تصديق كل ما يروى عنهم.
قال ﷺ:
«لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم»
[رواه البخاري]
ولهذا قسم أهل العلم أخبار بني إسرائيل إلى ثلاثة أنواع:
وعليه، فمجرد وجود خبر في بعض كتب أهل الكتاب لا يجعله جزءًا من العقيدة الإسلامية.
ماذا قال العلماء عن أثر عبد الله بن عمرو؟
أشار البيهقي رحمه الله إلى هذا الاحتمال عند تعليقه على الخبر، فقال إن عبد الله بن عمرو كان ينظر في كتب الأوائل، فما رواه ولم يرفعه إلى النبي ﷺ يحتمل أن يكون مما وجده في تلك الكتب.
وذهب الشيخ الألباني رحمه الله إلى أبعد من ذلك، فعدَّ أثر:
«خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر»
من الإسرائيليات التي لا يجوز الاعتماد عليها في هذا الباب؛ لأنها لم تثبت عن النبي ﷺ.
كما استنكر هذا الأثر الشيخ عبد الرحمن البراك.
فما الذي نعتقده في أصل خلق الملائكة؟
نثبت ما جاء به الحديث الصحيح:
«خُلقت الملائكة من نور».
أما السؤال: ما هذا النور تحديدًا؟ ومن أي نور خُلقت الملائكة؟ وما صفته؟
فلا نتجاوز فيه النص الصحيح.
وعالم الملائكة من الغيب، فلا تثبت تفاصيله بالاحتمالات أو الأخبار التي لم تصح عن النبي ﷺ.
الخلاصة
ثبت في صحيح مسلم أن الملائكة خُلقت من نور، وهذا هو القدر الذي نقطع به.
أما قول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر» فهو أثر موقوف عليه، ولم يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
ولأن عبد الله بن عمرو كان معروفًا بالاطلاع على بعض أخبار أهل الكتاب، فقد رأى عدد من أهل العلم أن هذا الخبر يحتمل أن يكون من الإسرائيليات، ولذلك لا يصح الاعتماد عليه في إثبات كيفية أو مصدر النور الذي خُلقت منه الملائكة.
والله أعلم