الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
«النور» من أسماء الله الحسنى عند عامة أهل العلم، وهو كذلك صفة ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة. أما عبارة «نور السماوات والأرض» فظاهر كلام كثير من الأئمة أن الاسم فيها هو «النور»، وأن ذكر السماوات والأرض جاء مضافًا إليه لبيان كمال نوره سبحانه وآثاره في خلقه.
ثبوت «النور» في القرآن والسنة
قال الله تعالى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾
[النور: 35]
وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يقول في قيام الليل:
«اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض...»
[رواه البخاري ومسلم]
كما قال تعالى:
﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾
[الزمر: 69]
فهذه النصوص من الأدلة التي استند إليها العلماء في إثبات النور لله تعالى.
هل «النور» اسم لله أم صفة؟
ذهب عامة العلماء المذكورين في الفتوى إلى إثبات «النور» اسمًا لله تعالى، ومنهم ابن منده والبيهقي وابن العربي والقرطبي وابن القيم وابن حجر والسعدي وغيرهم.
وقال ابن القيم رحمه الله:
«والنور من أسمائه أيضًا ومن أوصافه».
فالنور يثبت لله من جهة الاسم، كما يثبت له سبحانه من جهة الصفة.
وقد بيّن ابن القيم أن النصوص جاءت بعدة صور؛ فجاء تسمية الرب نورًا، وجاء أن له نورًا، وأنه نور السماوات والأرض، وأن حجابه نور.
هل الاسم هو «النور» أم «نور السماوات والأرض»؟
ظاهر صنيع عدد من الأئمة أن الاسم هو:
«النور»
وليس الاسم المركب كاملًا: «نور السماوات والأرض».
فالإمام النسائي، عندما ذكر أسماء الله، بوّب باسم «النور»، ثم استدل بحديث:
«أنت نور السماوات والأرض».
وكذلك قال ابن منده:
«ومن أسماء الله عز وجل: النور»،
ثم استدل بقوله تعالى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[النور: 35]
وعدَّ ابن حجر كذلك «النور» من أسماء الله الواردة في القرآن على وجه الإضافة، كما جاءت أسماء أخرى في النصوص مضافة إلى كلمات بعدها.
لذلك فالأدق أن يقال:
من أسماء الله تعالى: «النور»، وقد وصف نفسه بأنه «نور السماوات والأرض».
ما معنى أن الله «نور السماوات والأرض»؟
هذا الوصف يتضمن معاني عظيمة، منها أن الله سبحانه منوِّر السماوات والأرض، وأن كل نور وهداية فيهما فمنه سبحانه.
وقد ذكر ابن القيم أن النور يضاف إلى الله على أكثر من وجه؛ فيضاف إليه باعتباره صفة له سبحانه، ويضاف إليه أيضًا ما يكون من النور الذي خلقه وأوجده.
فلا ينبغي حصر الآية في معنى واحد مع إلغاء بقية ما دلت عليه النصوص من إثبات النور لله تعالى.
هل وجود نور مخلوق يمنع أن يكون «النور» اسمًا لله؟
لا.
فوجود مخلوقات تسمى بالنور لا يعني أن النور المضاف إلى الله يماثل نور المخلوقات.
قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
وقد بيّن ابن خزيمة رحمه الله أن بعض الأسماء قد تطلق على الله وعلى بعض مخلوقاته، لكن اشتراك الاسم لا يعني تماثل الحقيقة والكيفية.
فالله سبحانه له من صفاته ما يليق بكماله وعظمته، وصفات المخلوقين تليق بضعفهم وافتقارهم.
النور المضاف إلى الله ليس نوعًا واحدًا
تدل النصوص على التفريق بين نور الله الذي هو من صفاته وبين النور المخلوق الذي خلقه الله.
ولهذا قال ابن القيم إن النور يضاف إلى الله تارة إضافة الصفة إلى الموصوف، وتارة باعتبار النور الذي أوجده وخلقه سبحانه.
وهذا يمنع الخلط بين صفة الله وبين الأنوار المخلوقة كضوء الشمس والقمر وغيرها.
الخلاصة
«النور» من أسماء الله الحسنى عند عامة العلماء المذكورين في الفتوى، وهو كذلك من صفاته الثابتة بالكتاب والسنة.
وقد قال تعالى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[النور: 35]
والأدق من جهة التسمية أن يقال: «النور» من أسماء الله، أما «نور السماوات والأرض» فهي الصيغة التي ورد بها الاسم مضافًا في القرآن والسنة.
وإثبات النور لله يكون على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه بنور المخلوقات؛ فاشتراك الأسماء لا يعني تماثل الصفات والحقائق
والله اعلم