احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
الايمان الايمان بالملائكه 603 2026-09-09

كيف نفهم رؤية الملائكة في قصة أسيد بن حضير؟

السؤال
ورد أن أسيد بن حضير رضي الله عنه كان يقرأ القرآن ليلًا، فرأى شيئًا في السماء مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فقال له النبي ﷺ: «تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم». فكيف يمكن للناس رؤية الملائكة، مع أن البشر لا يستطيعون رؤيتهم على هيئتهم الأصلية؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

حديث أسيد بن حضير رضي الله عنه يدل على إمكان رؤية الملائكة في بعض الأحوال، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون رؤيتهم على صورتهم الأصلية التي خلقهم الله عليها. بل يمكن أن تتمثل الملائكة في صورة يستطيع البشر رؤيتها، كما ثبت في نصوص كثيرة.

البشر لا يرون الملائكة عادة على هيئتهم الأصلية

قال الله تعالى:

﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾
[الأنعام: 9]

وذكر أهل التفسير أن البشر لا يطيقون عادة رؤية الملائكة على هيئتهم الأصلية، ولذلك إذا أرسل الله مَلَكًا إلى البشر فقد يأتيهم في صورة بشرية يستطيعون رؤيتها والتعامل معها.

وقد تمثل جبريل عليه السلام لمريم عليها السلام في صورة رجل، فقال تعالى:

﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾
[مريم: 17]

وكذلك كان جبريل يأتي النبي ﷺ أحيانًا في هيئة رجل يراه الصحابة.

ماذا حدث لأسيد بن حضير؟

ثبت في الصحيحين أن أسيد بن حضير رضي الله عنه كان يقرأ سورة البقرة ليلًا، وكانت فرسه قريبة منه، فجعلت تضطرب كلما قرأ.

فلما رفع رأسه إلى السماء رأى:

«مثل الظلة فيها أمثال المصابيح».

وفي الصباح أخبر النبي ﷺ بما حدث، فقال له:

«وتدري ما ذاك؟»

قال: لا.

قال ﷺ:

«تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم»
[رواه البخاري ومسلم]

فالحديث صريح في أن الملائكة دنت بسبب قراءة القرآن، وأنه لو استمر أسيد في القراءة لاستمرت حتى أصبح الناس قادرين على رؤيتها.

هل رأى أسيد الملائكة نفسها أم رأى نورًا فقط؟

الحديث أخبر أن ما رآه كان متعلقًا بالملائكة، لكن وصفه كان:

«مثل الظلة فيها أمثال المصابيح».

ولم يذكر أنه رأى كل مَلَك على هيئته الأصلية.

ولهذا لا يلزم من الحديث أن البشر رأوا الملائكة على الصورة التي خلقهم الله عليها، بل يحتمل أنهم ظهروا في هيئة يمكن للإنسان رؤيتها، أو ظهر ما يدل عليهم بصورة محسوسة يمكن مشاهدتها.

وهذا هو المعنى الذي ذكره عدد من شراح الحديث.

الملائكة قد تتمثل في صور يراها البشر

ثبت أن جبريل عليه السلام كان يأتي النبي ﷺ في صورة رجل.

ومن ذلك حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن جبريل أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة رضي الله عنها، فلما قام قال لها النبي ﷺ:

«من هذا؟»

فقالت: دحية.

وكان الذي رأته في الحقيقة جبريل عليه السلام متشكلًا في صورته.

[رواه البخاري ومسلم]

فالإنسان قد يرى المَلَك حين يتمثل في صورة بشرية أو هيئة أخرى يمكن للحواس البشرية إدراكها.

ماذا قال العلماء عن حديث أسيد؟

قال ابن بطال رحمه الله إن في الحديث دليلًا على جواز رؤية بني آدم للملائكة إذا تصورت في صورة يمكن للآدميين رؤيتها، كما كان جبريل يظهر للنبي ﷺ في صورة رجل.

وذكر ابن الملقن المعنى نفسه، وأن رؤية البشر للملائكة ممكنة إذا ظهروا في صور يستطيع البشر رؤيتها.

إذن فالحديث لا يناقض القاعدة التي تفيد أن الإنسان لا يرى الملائكة عادة على خلقتهم الأصلية.

هل رؤية الملائكة خاصة بالأنبياء؟

رؤية الملائكة على صورتهم الأصلية أمر عظيم ونادر، وقد ثبت للنبي ﷺ رؤية جبريل على صورته الحقيقية.

أما رؤيتهم عندما يتمثلون في صورة يستطيع البشر رؤيتها، فلا تختص بالأنبياء؛ فقد رأى الصحابة جبريل في صورة رجل، ووقعت أمثلة أخرى في النصوص.

وقصة أسيد بن حضير رضي الله عنه من الأدلة التي تبين أن بعض المؤمنين قد يشاهدون شيئًا من ذلك بإذن الله.

لماذا دنت الملائكة من قراءة أسيد؟

الحديث نفسه يبين السبب:

«تلك الملائكة دنت لصوتك».

فقد اقتربت الملائكة لسماع تلاوته للقرآن.

وهذا يدل على فضل القرآن وعظم شأن تلاوته، وأن الملائكة تحضر مواضع الذكر والقرآن بإذن الله تعالى.

الخلاصة

قول النبي ﷺ لأسيد بن حضير: «ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها» يدل على إمكان رؤية الملائكة في تلك الحالة، لكنه لا يعني أنهم كانوا سيُرون على هيئتهم الأصلية.

فالملائكة قد تتمثل في صور يستطيع البشر رؤيتها، كما ثبت في قصة جبريل وغيره.

وما رآه أسيد رضي الله عنه كان مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، وأخبره النبي ﷺ أن تلك الملائكة قد دنت لسماع قراءته.

فلا تعارض بين الحديث وبين القول بأن البشر لا يرون الملائكة عادةً على صورتهم الأصلية.

والله أعلم