احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
الايمان الايمان بالملائكه 439 2026-09-09

كيف نجمع بين سؤال الملائكة وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾؟

السؤال
قال الله تعالى عن الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30] وقال سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23] فكيف سأل الملائكة ربهم عن خلق آدم وذريته، مع أن الله تعالى لا يُسأل عما يفعل؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

لا تعارض بين الآيتين؛ لأن سؤال الملائكة لم يكن سؤال اعتراض أو إنكار على حكم الله، وإنما كان سؤال استرشاد وطلب للعلم وفهم الحكمة. أما قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ فمعناه أن الله سبحانه لا يُسأل سؤال محاسبة أو اعتراض على أفعاله وأحكامه، لأنه رب الخلق ومالكهم، وأفعاله كلها قائمة على الحكمة والعدل.

سؤال الملائكة لم يكن اعتراضًا على الله

لما قال الله تعالى:

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

قالت الملائكة:

﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾
[البقرة: 30]

فهذا لم يكن اعتراضًا منهم على مشيئة الله، ولا اتهامًا لحكمته.

وقد وصف الله الملائكة بأنهم:

﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾
[الأنبياء: 27]

والمقصود من سؤالهم أن يعرفوا الحكمة من خلق جنس يقع من بعض أفراده الفساد وسفك الدماء.

لماذا سألوا عن الفساد وسفك الدماء؟

ذكر أهل التفسير عدة أوجه في سبب معرفتهم بذلك.

فقيل إنهم عرفوا ما وقع ممن سكن الأرض قبل آدم، وقيل إن الله أخبرهم أن من ذرية هذا الخليفة من يفسد ويسفك الدماء، ثم أذن لهم في السؤال.

وعلى كل هذه الأقوال، فالمعنى واحد من جهة أصل المسألة: أنهم سألوا ليعلموا ما خفي عليهم، لا ليعترضوا على ربهم.

ولهذا قال ابن كثير رحمه الله إن سؤالهم كان:

سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة.

أي: ما الحكمة في خلق من يقع من بعضهم هذا الفساد، مع وجود ملائكة لا يعصون الله ويسبحون بحمده؟

ما معنى قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾؟

لم يكن هذا افتخارًا أو حسدًا لآدم وذريته.

وإنما كان جزءًا من سؤالهم عن الحكمة، كأنهم يقولون: إذا كان المقصود من الخلق العبادة والطاعة، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، فما الحكمة في خلق جنس سيقع من بعض أفراده العصيان والفساد؟

فأجابهم الله بقوله:

﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 30]

أي أن عند الله من الحكم والمصالح في خلق الإنسان ما لم تكن الملائكة تعلمه.

ماذا كان مما لم تعلمه الملائكة؟

بيّن أهل العلم أن من بني آدم سيكون الأنبياء والرسل والصديقون والشهداء والصالحون والعلماء والعباد، وغيرهم من أهل الطاعة والإيمان.

فوجود الفساد من بعض البشر لا يعني أن خلق الإنسان خالٍ من الحكمة، بل هناك مصالح عظيمة وحكم كثيرة لا تحيط بها المخلوقات علمًا.

ولهذا كان جواب الله:

﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

إذن ما معنى قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾؟

قال الله تعالى:

﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
[الأنبياء: 23]

المقصود أن الله تعالى لا يُحاسَب على أفعاله، ولا يحق لمخلوق أن يعترض على حكمه أو يسأله سؤال المستنكر الذي يرى أن الله يجب عليه أن يبرر فعله.

فالله هو الخالق والمالك والمدبر، وله الحكم والأمر، ويحكم ما يشاء بعلمه وحكمته.

أما العباد فهم الذين يُسألون عن أعمالهم؛ لأنهم مخلوقون مأمورون بطاعة الله.

هل يجوز للعبد أن يسأل الله عن الحكمة؟

نعم، إذا كان السؤال بقصد التعلم والفهم والاسترشاد، وليس بقصد الاعتراض.

فالعبد قد يسأل ربه سؤال طلب، كما يدعوه ويسأله حاجته، وقد يسأل سؤال علم وفهم.

أما الممنوع فهو سؤال الاعتراض والاستنكار على أقدار الله وأحكامه، كأن يجعل الإنسان نفسه حاكمًا على أفعال الله تعالى.

ولهذا يمكن تقسيم السؤال إلى ثلاثة معانٍ:

  • سؤال طلب ودعاء، كطلب المغفرة والرزق.
  • سؤال استرشاد ومعرفة، لمعرفة الحكمة وفهم الحق.
  • سؤال اعتراض ومحاسبة، وهذا هو الذي لا يليق في حق الله تعالى.

وسؤال الملائكة كان من النوع الثاني.

الخلاصة

قول الله تعالى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لا يعني منع كل سؤال يوجه إلى الله، وإنما ينفي أن يُسأل سبحانه سؤال اعتراض أو محاسبة على أفعاله.

أما سؤال الملائكة:

﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾

فكان سؤال استرشاد وطلب للعلم ومعرفة الحكمة، لا اعتراضًا على الله.

ولهذا أجابهم سبحانه:

﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

والله أعلم