احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 502 2026-09-09

لماذا سأل موسى رؤية الله وعوقب قومه حين طلبوها؟

السؤال
كيف طلب موسى عليه السلام رؤية الله، مع أن بني إسرائيل أخذتهم الصاعقة عندما طلبوا رؤيته؟ وهل كان سؤاله طلبًا حقيقيًّا، أم أراد به إقامة الحجة على قومه؟ وما دلالة قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؟
الإجابة


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
سؤال موسى عليه السلام رؤية ربه يختلف عن سؤال قومه؛ فقد سأل ربه دون أن يعلّق إيمانه على الرؤية، أما هم فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فعوقبوا على هذا التعنت. وتقرر الفتوى أن طلب موسى سبق واقعتهم، وأنه سأل الرؤية لنفسه، ولم يكن سؤاله لإقامة الحجة عليهم.
لماذا طلب موسى عليه السلام رؤية ربه؟
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143].
طلب موسى الرؤية لأنها ممكنة في نفسها، وليست أمرًا مستحيلًا في حق الله. وقد أجابه سبحانه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143].
وبيّن ابن أبي العز الحنفي أن الله لم ينكر على موسى أصل سؤاله، ولم يقل له إن رؤيته مستحيلة، وإنما أخبره أنه لن يراه، وأراه ما وقع للجبل عند التجلي: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143].
فالجبل، مع قوته وصلابته، لم يثبت للتجلي، والبشر في الدنيا أضعف من أن يتحملوا ذلك. كما أن تعليق الرؤية على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن بقدرة الله، يدل وفق هذا الاستدلال على إمكان الرؤية في أصلها. انظر: «شرح الطحاوية» (1/212).
وعليه، فلا يلزم من سؤال موسى أنه سأل ما لا يليق بالله؛ فهناك فرق بين استحالة الرؤية في نفسها، وبين عدم قدرة الإنسان على تحملها في هذه الحياة.
هل «لن تراني» تنفي الرؤية في الآخرة؟
لا تدل «لن» بمجردها على النفي الأبدي. ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: 80]؛ فقد جاء النفي بها مقيدًا بغاية.
ولهذا لا يصح الاستدلال بقول الله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ على امتناع رؤية الله في الآخرة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103]؛ فقد بيّن ابن أبي العز أن الإدراك هنا هو الإحاطة، وهي أخص من مجرد الرؤية. فالله يُرى ولا تحيط به الأبصار، كما يُعلم ولا يحيط الخلق به علمًا. وهذا هو التفسير الذي تعتمده الفتوى.
هل وقع طلب موسى بعد صاعقة قومه؟
تقرر الفتوى أن طلب موسى الرؤية كان قبل الواقعة التي أخذت فيها الصاعقة قومه، وتستدل بسياق سورة الأعراف وما نقله المفسرون.
فالسورة تذكر سؤال موسى الرؤية، ثم رجوعه إلى قومه وإنكاره عبادة العجل، ثم تقول: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: 155].
وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن سبب هذه الرجفة طلبهم رؤية الله جهرة. ونقل ابن كثير عن السدي أنهم خرجوا للاعتذار من عبادة العجل، ثم قالوا لموسى إنهم لن يؤمنوا له حتى يروا الله، فأخذتهم الصاعقة. انظر: «تفسير ابن كثير» (3/479).
وبناءً على هذا الترتيب، لا يقوم الإشكال على أن موسى طلب الرؤية بعدما شاهد عقوبتهم على طلبها.
لماذا عوقب بنو إسرائيل؟
الفرق الأساسي هو أنهم جعلوا رؤية الله شرطًا لتصديق موسى، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ۝ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 55–56].
وقال سبحانه: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: 153].
وأوضح ابن عاشور أن ظلمهم كان امتناعهم عن التصديق حتى يروا الله، لا مجرد سؤال الرؤية. انظر: «التحرير والتنوير» (4/301).
أما موسى فلم يجعل الرؤية شرطًا لإيمانه؛ ولذلك يختلف سؤاله عن سؤالهم في القصد والمضمون.
هل سأل موسى لإقامة الحجة على قومه؟
لا تعتمد الفتوى هذا التفسير؛ لأن طلبه، بحسب ما تقدم، سبق طلب قومه، ولأنه كان وحده عند سؤال الرؤية. كما تذكر أنها لم تقف على من قال بهذا التفسير من أهل العلم.
ولا يكفي تشبيه الموقف بمحاجّة إبراهيم لقومه لإثبات المعنى نفسه هنا؛ فسياق قصة موسى يدل على أنه سأل ربه الرؤية لنفسه.
الخلاصة
سأل موسى رؤية ربه دون تعنت أو تعليق للإيمان عليها، وأُخبر أنه لن يراه في الدنيا. أما قومه فعوقبوا على اشتراط الرؤية للتصديق. ولا يدل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ على استحالة رؤية الله أو نفيها في الآخرة.
والله أعلم.