الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الله تعالى حليم، وله الحلم الكامل الواسع، ومن حلمه إمهال العصاة وعدم معاجلتهم بالعقوبة. أما عبارة «حلمه وسع كل شيء» فتتوقف الفتوى في إطلاقها؛ لأن الحلم يتعلق بالعصاة والمذنبين، بينما الرحمة أعم، وقد ورد النص صراحة بأنها وسعت كل شيء. ويصح التعبير بأنه سبحانه واسع الحلم.
معنى اسم الله «الحليم»
«الحليم» من أسماء الله الحسنى، والحلم صفة من صفاته سبحانه. قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: 41].
ومن معاني حلمه أنه لا يعاجل عباده بالعقوبة على معاصيهم، بل يمهلهم ليتوبوا ويرجعوا إليه، مع استمرار نعمه عليهم.
وقد بيّن السعدي أن الحليم هو الذي يدرّ على خلقه النعم الظاهرة والباطنة، مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، ويمهلهم كي يتوبوا وينيبوا. انظر: «تفسير السعدي» (ص 948).
وقال ابن القيم في «النونية» (2/81):
وَهُوَ الحليمُ فَلاَ يُعاجِلُ عَبْدهُ
بعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ منْ عِصْيَانِ
من مظاهر سعة حلم الله
يشمل حلم الله أهل الكفر والفسوق والعصيان؛ إذ لا يعاجلهم بالعقوبة فور وقوع الذنب، مع قدرته على مؤاخذتهم به.
وأوضح الهراس في «شرح نونية ابن القيم» أن حلم الله الكامل اقتضى إمهالهم ليتوبوا، ولو شاء لأخذهم بذنوبهم عند صدورها منهم.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: 45].
فإمهال المذنبين من آثار حلمه سبحانه، وهو معنى يبيّن سعة هذه الصفة وكمالها.
الفرق بين الحلم والرحمة
الظاهر، كما تقرره الفتوى، أن الحلم ليس كالرحمة من جهة ما يتعلق به؛ فالحلم يتعلق بالعصاة والمذنبين وإمهالهم، أما الرحمة فتشمل الطائع والعاصي، والمكلَّف وغيره، كالأطفال والبهائم والأشجار والنباتات.
وقد جاء النص صريحًا في عموم الرحمة، فقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رواه مسلم.
فالحديث يوضح أن آثار الرحمة تشمل مخلوقات لا توصف بالعصيان أو التكليف، ولذلك لا يلزم من عموم الرحمة إطلاق العبارة نفسها على الحلم.
لماذا تتوقف الفتوى في هذه العبارة؟
تذكر الفتوى أنها لم تقف في كلام أهل العلم على عبارة «حلم الله وسع كل شيء»، وتتوقف في إطلاقها، مع إثبات سعة حلم الله وكماله.
وقد ورد التصريح بسعة الرحمة والعلم لكل شيء في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: 7].
كما ورد وصف المغفرة بالسعة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: 32]. لكن المغفرة، كالحلم، تتعلق بالمذنبين المكلَّفين؛ ولذلك تتوقف الفتوى أيضًا في قول: «مغفرته وسعت كل شيء».
فيمكن القول: «الله واسع الحلم، واسع المغفرة»، دون تعميم العبارة على كل شيء قياسًا على الرحمة.
الخلاصة
حلم الله كامل واسع، ومن آثاره إمهال العصاة ليتوبوا. أما قول «حلمه وسع كل شيء» فمما تتوقف الفتوى في إطلاقه، ولا تجزم بتحريمه؛ لاختلاف متعلق الحلم عن الرحمة التي ثبت بالنص أنها وسعت كل شيء.
والله أعلم.