الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نعم، يُنسب فعل البناء إلى الله تعالى؛ فقد أخبر في القرآن أنه بنى السماء. لكن لا يُشتق من هذا الفعل اسم «الباني» أو «البنّاء»؛ لعدم وروده اسمًا له. ومعنى «بأيد» في آية الذاريات: بقوة، وليست الكلمة جمعًا لليد.
ورود فعل البناء في القرآن
أخبر الله تعالى عن بنائه السماء في آيات متعددة، منها قوله سبحانه:
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: 6].
وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47].
وقوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: 12].
وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: 27]، وقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: 5].
فهذه النصوص تثبت نسبة فعل البناء إلى الله سبحانه، كما أخبر به عن نفسه.
لماذا لا يُشتق منه اسم «الباني»؟
هناك فرق بين إثبات فعل ورد في النص، وبين اشتقاق اسم لله من ذلك الفعل. فثبوت قوله تعالى: «بنيناها» و«بناها» يدل على الفعل، لكنه لا يكفي وحده لإثبات «الباني» اسمًا من أسماء الله الحسنى.
ولهذا تقرر الفتوى جواز نسبة البناء إليه سبحانه، وعدم تسميته «الباني» لعدم ورود هذا الاسم. وينطبق ذلك على صيغة «البنّاء» الواردة في السؤال؛ فلا تُتخذ اسمًا لله اعتمادًا على ورود فعل البناء.
فالمقصود الوقوف عند ما أثبته النص، مع التمييز بين الأسماء والأفعال.
معنى «بأيد» في آية الذاريات
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ معناه: بنيناها بقوة. فكلمة «الأَيْد» في العربية تعني القوة، وليست هنا جمع «يد».
وقد نبّه الأمين الشنقيطي إلى هذا الفرق، وبيّن أن «أَيْد» بمعنى القوة تختلف في أصلها وبنائها اللغوي عن «أيدي» التي هي جمع «يد».
ومن الشواهد التي ذكرها قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87]، أي: قوّيناه به. فالتأييد هنا من التقوية.
وعليه، لا يصح الاستدلال بكلمة «بأيد» في هذه الآية على أنها جمع يد؛ لأن معناها اللغوي في هذا الموضع هو القوة. وهذا بيان لمعنى الكلمة، مع بقاء نسبة فعل البناء إلى الله ثابتة بنص الآية.
البناء بأمر الله وكلمته
تقرر الفتوى أن بناء السماء كان بأمر الله وكلمته «كن»، وتستدل بما ورد في التفريق بين أشياء مخصوصة خلقها الله بيده وسائر الخلق.
فقد رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:
«خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش والقلم وعدن وآدم، ثم قال لسائر الخلق: كن فكان».
رواه الدارمي واللالكائي والآجري وغيرهم، ووصفت الفتوى إسناده بالصحة. وهو أثر عن ابن عمر، وليس في النص المنقول تصريح برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
كما نقلت عن ميسرة أبي صالح، وهو من التابعين، أثرًا يذكر خلق آدم بيده، وكتابة التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده. رواه الدارمي، وحسّنت الفتوى سنده. انظر: «نقض الدارمي» (ص 99).
وبناءً على هذه الآثار، تخلص الفتوى إلى أن السماء والأرض من سائر الخلق الذين أوجدهم الله بكلمته «كن».
الخلاصة
فعل البناء ثابت لله بنص القرآن، لكن لا يُشتق منه اسم «الباني» أو «البنّاء». و«بأيد» في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ تعني «بقوة»، وليست جمعًا لليد، وبناء السماء كان بأمره سبحانه وكلمته، كما تقرره الفتوى.
والله أعلم.