احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 1302 2026-09-09

الخلق من العدم ومعجزة عيسى: ما الفرق بينهما؟

السؤال
هل يستطيع مخلوق أن يوجد شيئًا من العدم بإذن الله، أو يكون سببًا في إيجاده؟ وهل معجزة عيسى عليه السلام في صنع هيئة الطير من الطين دليل على ذلك؟ وما حكم ادعاء القدرة على الخلق من العدم؟
الإجابة


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الإيجاد من العدم مختص بالله وحده، فلا يقدر عليه عيسى عليه السلام ولا غيره من المخلوقين. ومعجزة عيسى لم تكن خلقًا من العدم؛ فقد صوّر من طين موجود هيئة طير، ثم نفخ فيه فصار طيرًا بإذن الله. وتقرر الفتوى أن ادعاء الإيجاد من العدم كفر؛ لأنه ادعاء لما يختص به الله سبحانه.
الله وحده خالق كل شيء
استدل القرآن بانفراد الله بالخلق على بطلان عبادة غيره، فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 17].
وقال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].
وقال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16].
فهذه الآيات تقرر اختصاص الله بالخلق، وتبيّن الفرق بين الخالق والمخلوق. ولو كان غيره يخلق كخلقه لحصل الاشتباه الذي نفته الآية.
وقال سبحانه أيضًا: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: 34].
ماذا فعل عيسى عليه السلام في معجزة الطير؟
قال الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام:
﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 49].
فالآية تذكر مادة موجودة، وهي الطين، وتذكر أن عيسى صنع منها هيئة الطير، ثم نفخ فيها فصارت طيرًا بإذن الله. ولذلك لا تدل المعجزة على أنه أوجد شيئًا من العدم.
وفسّر ابن عاشور قوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ بمعنى: «أُقدِّر لكم من الطين، كهيئة الطير»، وبيّن أن المراد بهذا اللفظ ليس خلق الحيوان، مستدلًا بما جاء بعده: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾. انظر: «التحرير والتنوير» (3/250).
فإثبات المعجزة لعيسى عليه السلام لا يعني إثبات قدرة الخلق من العدم له؛ وإنما وقع ما وقع آية من الله وبإذنه.
لفظ «الخلق» له أكثر من معنى
منشأ الإشكال هو حمل كلمة «الخلق» على معنى واحد في جميع المواضع. واللفظ في العربية يُستعمل للإيجاد من العدم، ويُستعمل أيضًا للتقدير والتصوير، ويُعرف المقصود من السياق.
وقد نقل الأزهري عن ابن الأنباري أن من معاني الخلق: التقدير. ومن ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14] بمعنى: أحسن المقدّرين.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: 17]، أي: تقدّرون كذبًا.
ومن استعمال العرب قولهم: «خلقتُ الأديم»، أي: قدّرته وقسته لأقطع منه ما أريد، كالقربة أو الخف. انظر: «تهذيب اللغة» (7/16).
فورود لفظ الخلق منسوبًا إلى مخلوق لا يعني بالضرورة الإيجاد من العدم، بل قد يراد به تقدير شيء أو تشكيله من مادة موجودة، كما في معجزة عيسى عليه السلام.
حكم ادعاء الإيجاد من العدم
تقرر الفتوى أنه لا يوجد مخلوق يوجِد شيئًا من العدم، أو يكون سببًا في الإيجاد من العدم. ولا تغيّر إضافة عبارة «بإذن الله» هذا الحكم؛ لأن أصل هذه القدرة مختص بالله سبحانه.
كما تحكم بأن ادعاء المخلوق أنه يوجد شيئًا من العدم كفر، لما فيه من نسبة ما يختص به الخالق إلى المخلوق. وهذا هو الحكم الوارد في الفتوى على هذا الادعاء، أما لفظ «الخلق» بمعنى التقدير أو التصوير فله المعنى المختلف الذي سبق بيانه.
الخلاصة
الخلق من العدم لله وحده. ومعجزة عيسى عليه السلام بدأت بطين موجود صوّره على هيئة طير، ثم صار طيرًا بإذن الله؛ فلا تدل على مشاركة المخلوق لله في الإيجاد من العدم. والتمييز بين معاني لفظ «الخلق» يزيل هذا الإشكال.
والله أعلم.