الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
«التام» ليس من أسماء الله الحسنى؛ لأن الرواية التي ورد فيها لا تثبت في سرد الأسماء. وأما «الشديد»، فقد عدّه بعض العلماء من الأسماء، لكن الراجح الذي تعتمده الفتوى أنه ليس منها. وهذا لا ينفي ما ثبت في النصوص من وصف الله بالقوة وشدة المحال والعقاب؛ فإثبات الصفة يختلف عن إثبات الاسم.
لماذا لا يثبت اسم «التام»؟
ورد «التام» ضمن سرد أسماء الله في رواية عند ابن ماجه (3861)، لكن إسناد هذه الرواية ضعيف.
قال البوصيري في «الزوائد» (4/148): «وإسناد طريق ابن ماجة ضعيف؛ لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني».
كما بيّن ابن كثير أن جماعة من الحفاظ اعتمدوا أن سرد الأسماء في الحديث مُدرَج؛ أي إنه أُدخل في الرواية من كلام بعض الرواة، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر أن هذه الأسماء جُمعت من القرآن على أيدي بعض أهل العلم. انظر: «تفسير ابن كثير» (3/515).
وقال الألباني في حكمه على رواية ابن ماجه: «صحيح دون عد الأسماء».
وهنا يظهر فرق مهم: صحة أصل الحديث لا تعني صحة القائمة التي سُردت فيها الأسماء. ولذلك لا يكفي ورود «التام» في هذه الرواية لإثباته اسمًا لله تعالى، وتخلص الفتوى إلى عدم عدّه من الأسماء الحسنى.
هل «الشديد» من أسماء الله؟
ورد في القرآن قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: 13]. كما ورد لفظ «الشديد» في بعض طرق الحديث التي تسرد الأسماء، وهي لا تثبت كما تقدم.
وقد عدّ بعض العلماء «الشديد» من أسماء الله، ونقل المصدر ذلك عن جماعة، منهم سفيان بن عيينة وابن منده والقرطبي وابن القيم وابن حجر. انظر: «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» للدكتور محمد بن خليفة التميمي (ص 178).
فالمسألة فيها خلاف منقول، لكن الفتوى ترجّح عدم عدّ «الشديد» اسمًا مستقلًّا من أسماء الله الحسنى. ولا يلزم من ورود وصف مضاف، مثل «شديد المحال»، إثبات «الشديد» اسمًا مطلقًا.
ما معنى الشدة في وصف الله؟
نقل علوي بن عبد القادر السقاف أن الشدة بمعنى القوة صفة ثابتة لله، مع عدم موافقته على عدّ «الشديد» من أسمائه. انظر: «صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة» (ص 214).
وبيّن الزجاجي أن الشدة في وصف الله تُفهم على وجهين:
الأول: القوة المقابلة للضعف. فلا يُراد بها ما قد يُقصد عند وصف الإنسان من صلابة البدن وقوته؛ فهذه المعاني المتعلقة بأبدان المخلوقين لا تليق بالله سبحانه.
الثاني: شدة العقاب. فإذا قيل إن الله شديد العقاب، فالمعنى أن عقابه شديد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].
انظر: «اشتقاق أسماء الله» للزجاجي (ص 192).
وبذلك يُفهم الوصف بحسب سياقه، دون حمله على خصائص المخلوقين، ودون اشتقاق اسم مستقل منه تلقائيًّا.
النصوص الواردة في هذا الباب
إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: 13]، أوردت الفتوى ضمن أدلة الباب قوله سبحانه:
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص: 35].
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: 28].
ومن السنة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ». رواه البخاري (2932)، ومسلم (675).
فهذه النصوص تُبحث في باب الصفات والأفعال الواردة، ولا تعني بمفردها أن كل لفظ مشتق منها يصبح اسمًا من أسماء الله الحسنى.
الخلاصة
«التام» لا يثبت اسمًا لله بالرواية المذكورة، و«الشديد» مختلف في عدّه من الأسماء، والراجح في الفتوى عدم عدّه منها. مع ذلك، تُثبت الأوصاف التي جاءت بها النصوص، وتُفهم على الوجه اللائق بالله، مع التمييز بين الاسم والصفة.
والله أعلم.