احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 594 2026-09-09

اسم «المُحصي»: وروده في النصوص وأقوال العلماء فيه

السؤال
هل «المُحصي» من أسماء الله الحسنى الثابتة؟ وما الفرق بين ورود الإحصاء فعلًا في القرآن، وورود «المحصي» اسمًا لله تعالى؟
الإجابة


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ثبت في القرآن أن الله أحصى كل شيء عددًا، لكن «المُحصي» لم يرد بصيغة الاسم في القرآن أو السنة الصحيحة، ورواية سرد الأسماء التي ذكرته ضعيفة. ومع ذلك، عدّه جماعة من العلماء من الأسماء الحسنى. وتعرض الفتوى هذه الأقوال دون أن تختم بترجيح صريح لعدّه اسمًا أو عدم عدّه.
الإحصاء ثابت في القرآن
أخبر الله تعالى عن إحاطته بكل شيء وإحصائه له، فقال سبحانه:
﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 28].
وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12].
فالثابت في هاتين الآيتين هو ورود الإحصاء بصيغة الفعل. أما لفظ «المُحصي» بصيغة الاسم، فلم يرد في القرآن أو السنة الصحيحة، بحسب ما تقرره الفتوى.
وهذا الفرق مهم؛ فالسؤال عن ثبوت اسم معين يختلف عن السؤال عن صحة المعنى الذي يدل عليه. وإحصاء الله لكل شيء ثابت بالنص، وإنما البحث هنا في عدّ «المحصي» اسمًا من أسمائه الحسنى.
معنى «المحصي» عند العلماء الذين أثبتوه
فسّر الخطابي «المحصي» بأنه الذي أحصى كل شيء بعلمه، فلا يفوته شيء دقيق، ولا يعجزه شيء عظيم، ولا يشغله أمر عن غيره.
ويشمل ذلك حركات الخلق وأنفاسهم وأعمالهم من الحسنات والسيئات؛ فلا يضيع منها شيء، وإن نسيه أصحابه. واستشهد بقوله تعالى:
﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49].
وقوله سبحانه: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: 6].
انظر: «شأن الدعاء» (1/79).
وبيّن أبو بكر ابن العربي الفرق بين العلم والإحصاء من جهة المعنى؛ فالعلم يتعلق بمعرفة المعلومات وكشفها، والإحصاء يتعلق بحصرها ومعرفة عددها دون غفلة أو نسيان. ولخّص ذلك بقوله: «فالمحصي: هو العالم بالعدد». انظر: «الأمد الأقصى» (2/36–37).
كمال علم الله وإحصائه
ذكر ابن العربي في شرح هذا الاسم معاني تدل على كمال علم الله، منها أنه يعلم عدد ما لا نهاية له، وأن كثرة الأشياء لا تشغله عن العلم بها.
فسقوط الأوراق، وبذر الحبوب، وتغيّر أحوال الرطب واليابس، كل ذلك معلوم عنده ومحصى. كما ذكر أن ذلك مسطور مكتوب على التفصيل.
والمقصود من هذا الشرح بيان أن إحصاء الله كامل لا تلحقه غفلة، ولا تعوقه كثرة، ولا يخفى عليه شيء. وهذه المعاني يذكرها ابن العربي ضمن تفسيره للاسم الذي عدّه من أسماء الله الحسنى.
رواية سرد الأسماء التي ورد فيها «المحصي»
ورد «المحصي» في طريق الوليد بن مسلم ضمن حديث سرد الأسماء، عند الترمذي (3507)، وابن حبان (808)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (6)، وابن منده في «التوحيد» (361).
لكن الفتوى تبيّن أن هذه الرواية ضعيفة؛ ولذلك لا يصح عرض ورود الاسم فيها على أنه ثابت في حديث صحيح.
فوجود اللفظ في قائمة مروية للأسماء لا يكفي وحده للحكم بصحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل لا بد من مراعاة حكم الرواية التي نقلته.
أقوال العلماء في عدّه من الأسماء
عدّ «المحصي» من الأسماء الحسنى جماعة من العلماء، منهم الخطابي والحليمي والبيهقي وابن العربي والشرباصي ونور الحسن خان. انظر: «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» للدكتور محمد بن خليفة التميمي (ص 244).
وقال ابن العربي إن القرآن ورد به فعلًا لا اسمًا، وذكر وروده في رواية سرد الأسماء، ثم نقل الإجماع عليه بقوله: «وأجمعت عليه الأمة». انظر: «الأمد الأقصى» (2/35).
وهذا نقل للإجماع عن ابن العربي كما أوردته الفتوى، مع بقاء تنبيهها إلى عدم ورود اللفظ اسمًا في القرآن أو السنة الصحيحة. ولم تضف الفتوى بعد عرض هذه النقول حكمًا صريحًا يحسم المسألة.
الخلاصة
إحصاء الله لكل شيء ثابت بالقرآن. أما «المحصي» بصيغة الاسم، فلم يثبت وروده في القرآن أو السنة الصحيحة بحسب الفتوى، وإن عدّه جماعة من العلماء من الأسماء الحسنى، ونقل ابن العربي الإجماع عليه. فلا تُنسب إلى الفتوى نتيجة قاطعة لم تصرّح بها.
والله أعلم