الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أسماء الله الحسنى ليست كلها معلومة للخلق، ولا يحيطون بها عددًا؛ فمنها ما أطلع الله عليه عباده، ومنها ما استأثر بعلمه. وهذا هو المقصود بتقسيم ابن القيم. أما المحامد التي يُلهمها النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فقد تكون ثناءً جديدًا بأسماء معلومة، وقد تتضمن ما لم يكن أطلعه الله عليه من قبل، ولا يتعين أحد الاحتمالين.
الدليل على أن من أسماء الله ما لا يعلمه الخلق
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].
واستدلت الفتوى بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم من أصابه همّ أو حزن أن يقول:
«اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي».
رواه أحمد (3712). وقد اختلف العلماء في تصحيحه؛ فصححه ابن حبان والحاكم والألباني وأحمد شاكر، وحسّنه ابن حجر، وضعّفه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند.
وموضع الاستدلال هو قوله: «أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»؛ إذ يدل على وجود أسماء لم يُطلع الله عليها أحدًا من خلقه، فلا تكون جميع أسمائه محصورة فيما نعلمه.
الأقسام الثلاثة التي ذكرها ابن القيم
بيّن ابن القيم أن أسماء الله، من جهة إطلاع الخلق عليها، ثلاثة أقسام:
الأول: أسماء أطلع عليها بعض خلقه ولم ينزلها في كتابه. فقد يعلّم الله منها من شاء من ملائكته أو غيرهم، ولا يلزم أن تكون معلومة لجميع العباد.
الثاني: أسماء أنزلها في كتابه وتعرّف بها إلى عباده. ومن أمثلتها: الحي والقيوم والسميع والبصير.
الثالث: أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده. فلم يُطلع عليها أحدًا من خلقه، ولا يعلمها ملك مقرّب ولا نبي مرسل.
وهذا التقسيم هو الذي شرحه ابن القيم في «بدائع الفوائد» (1/293)، طبعة عطاءات العلم. فالمقصود بيان تفاوت اطلاع الخلق على أسماء الله، وأن علمهم لا يحيط بها كلها.
معنى «استأثرت به»: الانفراد بالعلم
فسّر ابن القيم الاستئثار هنا بقوله: «أي انفردت بعلمه». فالمعنى أن الله يعلم تلك الأسماء، ولم يُطلع عليها أحدًا.
وليس المقصود مجرد أن الاسم خاص بالله ولا يُسمّى به غيره؛ لأن اختصاص الاسم بالله قد يوجد أيضًا في الأسماء التي أنزلها في كتابه وعرفها عباده.
فمثلًا: اسم «الله» معلوم لنا، مع اختصاصه سبحانه به. أما الاسم الذي استأثر الله بعلمه، فنحن لا نعرفه أصلًا. وهذا هو الفرق الذي يراد توضيحه في العبارة.
كما أن بعض الأسماء المعلومة قد يُطلق لفظها على المخلوق، مثل علي وحكيم وسميع وعليم، بخلاف الأسماء المختصة بالله.
المحامد التي يُلهمها النبي يوم القيامة
ورد في حديث الشفاعة أن الله يفتح على نبيه صلى الله عليه وسلم من محامده ما لا يحسنه حينئذ. وفي رواية مسلم (194):
«وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
ولا يلزم أن تكون هذه المحامد كلها أسماء كانت مستأثرًا بعلمها؛ فقد تكون بأسماء معلومة، مع إلهام النبي وجوهًا من الثناء والتوسل بها لم يُفتح عليه بمثلها من قبل.
ويحتمل أيضًا أن يعلّمه الله حينئذ من أسمائه ما لم يكن قد أطلعه عليه، فيحمده به. فالفتوى تذكر الاحتمالين، ولا تجزم بأن الحديث يتعين حمله على القسم الثالث.
ومن الدلائل على عدم إحاطة الخلق بالثناء على الله قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». رواه مسلم.
الخلاصة
تقسيم ابن القيم يتعلق بما أظهره الله من أسمائه وما أخفاه عن خلقه. والاستئثار يعني الانفراد بعلم الاسم، لا مجرد اختصاص الله بالتسمّي به. ومحامد الشفاعة قد تكون ثناءً جديدًا بأسماء معلومة، وقد تتضمن أسماء يعلّمها الله نبيه حينئذ.
والله أعلم.