الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا يوصف الله تعالى بأنه «جيد» أو «صالح»؛ لعدم ورود ذلك في النصوص، ولا يكفي أن يظن الإنسان أن اللفظ حسن حتى يصف الله به. فصفاته سبحانه توقيفية، وكلها صفات كمال لا نقص فيها. وفي الألفاظ الثابتة، مثل العظيم والكريم والرحيم والطيب والقدوس، غنية وكفاية.
لله الوصف الأعلى والكمال المطلق
الله تعالى موصوف بالصفات العلى، وهي أكمل الصفات وأحسنها، ولا تتضمن نقصًا بوجه من الوجوه.
قال سبحانه: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: 27].
قال ابن الجوزي في تفسيرها: «قال المفسرون: أي: له الصفة العليا». انظر: «زاد المسير» (3/421).
ونقل الشوكاني عن الخليل أن المثل هنا بمعنى الصفة، أي: لله الوصف الأعلى في السماوات والأرض. انظر: «فتح القدير» (4/314).
فليس كل لفظ يُستعمل في مدح الإنسان صالحًا لأن يُوصف الله به؛ إذ المطلوب في حقه سبحانه الكمال الذي لا يلحقه نقص، لا مجرد معنى يستحسنه المتكلم.
صفات الله تُعرف من النصوص
صفات الله توقيفية؛ أي إن إثباتها موقوف على الدليل، فلا نصفه إلا بما وصف به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد يظن الإنسان أن وصفًا معينًا يتضمن مدحًا، مع أنه يحتمل نقصًا من بعض الوجوه. ولهذا تذكر الفتوى أن الله يوصف بالحكمة، ولا يوصف بالعقل، ويوصف بالعلم، ولا يوصف بالمعرفة.
ونقل المرداوي أن الله لا يوصف بأنه «عارف»؛ لأن المعرفة قد تكون علمًا مستحدثًا، بينما علم الله محيط بجميع الأشياء على حقائقها. كما نقل عن ابن حمدان حكاية الإجماع على أن علم الله لا يسمى معرفة. انظر: «التحبير» (1/237).
والمقصود بهذا المثال بيان أن تقارب الألفاظ في الاستعمال لا يجعلها متساوية عند الحديث عن الله؛ فلكل لفظ دلالته، ولا يُستبدل بالوصف الثابت لفظ آخر اعتمادًا على ما يبدو من تشابه المعنى.
قصد المدح لا يغني عن اختيار اللفظ اللائق
قد يقصد القائل بعبارة «الله جيد» أو «الله صالح» الثناء على الله، لكن حسن القصد لا يكفي لإثبات وصف لم يرد.
وتنبّه الفتوى كذلك إلى خشية سوء الأدب في هذه التعبيرات؛ لأنها من الألفاظ المعتادة في وصف الناس وأحوالهم وأعمالهم، وليست مما اعتاد المؤمنون الثناء به على ربهم.
فالإشكال يجمع بين عدم ورود الوصف، وبين ما قد يوحي به استعمال تعبيرات بشرية مألوفة لا تؤدي معنى التعظيم اللائق بالله سبحانه.
تعظيم الله يقتضي العناية بألفاظ الخطاب
استشهدت الفتوى بما علّم الله المؤمنين من الأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63].
ونقل ابن كثير عن عدد من المفسرين أن من معاني الآية تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم عند ندائه، فيقال: «يا رسول الله» و«يا نبي الله»، بدلًا من مناداته كما ينادي الناس بعضهم بعضًا. انظر: «تفسير ابن كثير» (6/88–89).
وبيّن السعدي هذا المعنى أيضًا، وأن شرف النبي صلى الله عليه وسلم وفضله يقتضيان مراعاة الأدب في خطابه. انظر: «تفسير السعدي» (ص 576).
ووجه الاستشهاد أن العناية بألفاظ التعظيم مطلوبة؛ فإذا أُمر المسلمون بمراعاتها في خطاب الرسول، فتعظيم الله جل جلاله والعناية بما يُقال في حقه أولى.
الألفاظ الثابتة تغني عن الأوصاف المقترحة
من أراد الثناء على الله، فليستعمل ما ثبت من أسمائه وصفاته، فيقول: الله العظيم، الكريم، الرحيم، الطيب، القدوس.
فهذه الألفاظ تؤدي معنى المدح والتعظيم، وتغني عن استعمال «جيد» أو «صالح» وغيرهما مما لم يرد وصف الله به.
الخلاصة
لا يكفي حسن المعنى في نظر المتكلم لإثبات صفة لله. ولذلك تمنع الفتوى وصفه بأنه «جيد» أو «صالح» لعدم ورود ذلك، وتوجّه إلى الثناء عليه بالأسماء والصفات الثابتة التي تليق بكماله وجلاله.
والله أعلم