احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 950 2026-09-10

أزلية صفات الله ومعنى عبادته بذاته المتصفة بالكمال

السؤال
هل صفات الله تعالى، ومنها الرحمة، أزلية؟ وكيف نفهم ذلك مع تعلق أفعاله بمشيئته؟ وهل نعبد الله بذاته المقدسة أم بصفاته؟
الإجابة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الله تعالى لم يزل متصفًا بصفات الكمال، ومنها الرحمة، ولم يكتسب صفة بعد أن كان فاقدًا لها. وهو سبحانه يفعل ما يشاء، ولم يكن معطّلًا عن الفعل. ونحن نعبد الله بذاته المقدسة المتصفة بأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ فلا تُجعل ذاته وصفاته طرفين منفصلين يُختار أحدهما للعبادة.

معنى أزلية صفات الله

الأزل هو القِدَم الذي لا بداية له، ومعنى أزلية صفات الله أنه سبحانه لم يزل متصفًا بالكمال، ولم يحصل له كمال بعد نقص، أو صفة بعد أن لم يكن متصفًا بها.

قال الإمام الطحاوي:

«ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليًّا، كذلك لا يزال عليها أبديًّا».

انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص 124).

فوجود الخلق لم يُكسب الله صفة جديدة، ولم يُكمل شيئًا كان ناقصًا؛ بل هو كامل قبل خلقهم، وغني عنهم. ورحمته داخلة في صفات كماله التي لم يزل متصفًا بها.

أزلية الصفات وتعلق الأفعال بالمشيئة

تقرر الفتوى أن الله لم يزل متصفًا بصفات الذات وصفات الفعل، وأنه يفعل ما يشاء أزلًا وأبدًا. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107].

ومثال ذلك الكلام؛ فالله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولم تحدث له القدرة على الكلام بعد أن كان فاقدًا لها. وكذلك الخلق، فلم يكتسب هذه الصفة بعد أن كان معطّلًا عنها.

والمقصود دوام كماله وفعله، لا أن كل فعل معيّن أو كل مخلوق بعينه أزلي. فالأفعال المتعلقة بمشيئته تقع كما يشاء، مع كونه سبحانه لم يزل قادرًا على الفعل، متصفًا بالكمال.

ولهذا لا يصح تصور أنه كان معطّلًا عن الفعل ثم بدأ يتصف به، أو أنه احتاج إلى وجود هذا العالم حتى يكون خالقًا كاملًا.

ظهور آثار الصفات في الخلق

بيّن ابن القيم أن لأسماء الله وصفاته آثارًا تظهر في خلقه؛ ففي الخلق والرزق والإحسان والمغفرة، وفي الثواب والعقاب، دلائل على علمه وحكمته ورحمته وعدله وسائر صفات كماله.

فالكون بما فيه مجال لظهور هذه الآثار، ودليل يدعو العباد إلى معرفة ربهم والتفكر في حكمته وإحسانه.

وذكر ابن القيم أن خلق العبد، ووقوع الذنب، ثم التوبة والمغفرة، تظهر فيه آثار حلم الله وعفوه وكرمه. واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم». انظر: «مدارج السالكين» (3/369–370).

ولا يعني ظهور آثار الصفات أن الله محتاج إلى المخلوقات؛ بل خلقها بمقتضى كماله وحكمته، لا ليكتسب بها كمالًا لم يكن له.

الله يفعل بلا حاجة إلى خلقه

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].

وأوضح ابن عثيمين أن الله لا يفعل لحاجة أو اضطرار، بخلاف الإنسان الذي قد يعمل لتحصيل منفعة يحتاج إليها أو لدفع ضرر عنه.

فالخلق هم المحتاجون إلى رزقه ورحمته وتدبيره، أما هو سبحانه فكامل على كل حال. واحتياج المخلوق إلى فعل الله لا يعني احتياج الله إلى المخلوق.

ولخّص ابن عثيمين هذا المعنى بأن العقل يدل على كمال الخالق، والكامل لا يحتاج إلى ما يكمّله. انظر: «شرح السفارينية» (ص 321–322).

هل يتعلق دوام الفعل بهذا العالم وحده؟

تربط الفتوى هذه المسألة بدوام أفعال الله، وتنقل عن صالح آل الشيخ أن مخلوقات الله لا تنحصر في العالم الذي نشاهده؛ فقد تكون هناك أنواع من المخلوقات والعوالم غيره.

والمقصود أن بداية هذا العالم لا تعني بداية اتصاف الله بالخلق والفعل. فهو سبحانه أول بصفاته، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. انظر: «شرح الطحاوية» لصالح آل الشيخ (ص 61).

ولا يقتضي هذا الكلام تحديد تفاصيل عوالم لم يبيّنها النص، وإنما يوضح أن كمال الله وفعله لا يتوقفان على مخلوقاتنا المشاهدة.

هل نعبد ذات الله أم صفاته؟

هذا السؤال يفترض انفصالًا بين ذات الله وصفاته، بينما صفاته ملازمة لذاته.

فلا توجد ذات حقيقية مجردة من كل صفة، وإنما يمكن للعقل أن يفرّق بين الحديث عن الذات والحديث عن صفاتها لغرض الفهم والشرح، دون أن يعني ذلك انفصالهما في الحقيقة.

وعليه، فنحن نعبد الله سبحانه، الرحمن الرحيم، الملك القدوس، المتصف بجميع صفات الكمال. ولا نعبد صفات منفصلة عنه، ولا ذاتًا متخيَّلة خالية من الصفات.

الخلاصة

الله لم يزل متصفًا بالكمال، ورحمته وسائر صفاته ليست كمالًا اكتسبه بعد نقص. وأفعاله تقع بمشيئته دون حاجة إلى الخلق. والمعبود هو الله بذاته المقدسة المتصفة بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فلا تعارض بين عبادته والإيمان بصفاته.

والله أعلم.

 

-