الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ترجّح الفتوى عدم عدّ «الفاطر» و«المنتقم» من أسماء الله الحسنى على جهة الإطلاق، مع أن جماعة من العلماء عدّوهما منها. وتوصي في «الفاطر» بمراعاة الصيغة الواردة: «فاطر السماوات والأرض»، وتثبت انتقام الله من المجرمين كما جاء في القرآن، دون اتخاذ «المنتقم» اسمًا مطلقًا له.
ورود «فاطر السماوات والأرض» في القرآن
ورد لفظ «فاطر» مضافًا إلى السماوات والأرض، قال تعالى:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: 14].
وقال سبحانه:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: 1].
فالصيغة التي تعرضها هذه النصوص هي «فاطر السماوات والأرض»، وليست «الفاطر» منفردة.
الدعاء بهذه الصيغة في السنة
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يفتتح صلاته بقوله:
«اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
رواه أبو داود (767)، والنسائي (1625)، والترمذي (3420)، وابن ماجه (1357).
فالذكر والدعاء بقول «فاطر السماوات والأرض» واردان في النصوص، وليس محل البحث منعهما، وإنما البحث في عدّ «الفاطر» وحده اسمًا مطلقًا من الأسماء الحسنى.
أقوال العلماء في اسم «الفاطر»
عدّ «الفاطر» من أسماء الله جماعة من العلماء، منهم الخطابي وابن منده والحليمي والبيهقي وابن العربي والقرطبي وابن حجر. انظر: «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» للدكتور محمد بن خليفة التميمي (ص 181).
كما ورد في بعض روايات سرد الأسماء من طريق عبد العزيز بن الحصين الترجمان، وهي طريق ضعيفة، كما بيّن الذهبي وابن حجر. انظر: المصدر نفسه (ص 84).
وتقول الفتوى إن الأحسن ألا يُطلق «الفاطر» إلا مقيدًا، كما ورد في الكتاب والسنة، فيقال: «فاطر السماوات والأرض». وتذكر أن مما يقرب من هذا المعنى قول «فاطر الخلق».
فهي تنقل إثبات بعض العلماء للاسم، ثم تختار مراعاة الإضافة الواردة بدلًا من إطلاقه منفردًا.
ورود الانتقام مقيدًا في القرآن
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22].
وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: 4].
وقد عدّ بعض العلماء «المنتقم» من الأسماء الحسنى، منهم الخطابي والقرطبي وابن الوزير وابن حجر، كما ورد في رواية سرد الأسماء من طريق الوليد بن مسلم. انظر: «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» (ص 253).
لكن الفتوى ترجّح عدم عدّه اسمًا مطلقًا؛ لأن النصوص المذكورة وردت بتقييد الانتقام بالمجرمين، أو بوصف الله بأنه «عزيز ذو انتقام».
لماذا لا ترجّح الفتوى اسم «المنتقم»؟
قال ابن تيمية إن «المنتقم» ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن سرد الأسماء الذي ورد فيه ليس من كلام النبي عند أهل المعرفة بالحديث. انظر: «مجموع الفتاوى» (8/96).
كما بيّن ابن عثيمين أن الانتقام المذكور في الآية جاء في مقابلة الإجرام، واستدل بهذا التقييد على عدم إثبات «المنتقم» اسمًا مستقلًا. انظر: «مجموع الفتاوى» (1/162).
فعدم إثبات الاسم المطلق لا يعني نفي ما أخبر الله به عن نفسه؛ بل يُثبت انتقامه من المجرمين، ويُذكر الوصف على الوجه الذي ورد به النص.
الخلاصة
عدّ بعض العلماء «الفاطر» و«المنتقم» من الأسماء الحسنى، لكن الفتوى ترجّح عدم إطلاقهما منفردين. فتُراعى عبارة «فاطر السماوات والأرض»، ويُثبت أن الله ينتقم من المجرمين وأنه عزيز ذو انتقام، كما جاء في القرآن.
والله أعلم.