احاديث
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (مَن يُرِدِ اللهُ بِه خَيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ)
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له)
العقيده الاسلاميه الاسماء والصفات في الاسلام 515 2026-09-11

هل ينتقل كلام الله إلى القارئ أو يحل في المصحف؟

السؤال
إذا تكلم الله بكلام معين، فهل يفارق هذا الكلام ذاته أو ينتقل إلى من يسمعه ويقرؤه؟ وكيف نفهم وجود القرآن في المصاحف والصدور، ووصف كلام الله بأنه متجدد متعلق بمشيئته؟
الإجابة


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
كلام الله صفة له، لا يفارق ذاته ولا يحل في غيره. وسماع القرآن وتلاوته وكتابته لا تعني انتقال صفة الله إلى السامع أو القارئ أو المصحف؛ فالكلام كلام الله، والصوت صوت القارئ. والله يتكلم بمشيئته متى شاء، وكلامه غير مخلوق؛ فالتجدد هنا لا يعني الخلق، ولا يقتضي تصور الكلمات أشياء تنتقل أو تزول لتحل محلها كلمات أخرى.
الكلام يُبلَّغ دون أن ينتقل من قائله
عندما يسمع الإنسان كلامًا ثم يرويه، يُنسب الكلام إلى قائله الأول، مع أن المبلّغ يؤديه بصوته وحركاته. ولا يعني ذلك أن صفة الكلام انتقلت من الأول وحلّت في الثاني.
وهذا المثال يوضح معنى نسبة الكلام إلى قائله وتبليغه عنه، دون تشبيه صفات الله بصفات المخلوقين.
قال ابن تيمية:
«وليس معنى قول السلف والأئمة: إنه منه خرج، ومنه بدأ؛ أنه فارق ذاته وحل بغيره».
ثم بيّن أن الناس إذا سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم وبلّغوه، ظل الكلام منسوبًا إليه، وإن أدّوه بأصواتهم، وقال: «فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ». انظر: «مجموع الفتاوى» (12/517).
وعليه، فقولنا: «فلان يقرأ كلام الله» لا يعني أن كلام الله فارق ذاته وحلّ في القارئ.
معنى وجود القرآن في المصحف والصدور
قولنا إن القرآن في المصحف، أو محفوظ في الصدر، لا يعني حلول صفة الله في الورق أو في الإنسان، وإنما يعني أن كلامه مكتوب ومحفوظ ومتلو.
وقد نقل الذهبي عن محمد بن أسلم الطوسي قوله:
«القرآن كلام الله غير مخلوق، أينما تلي وحيثما كتب، لا يتغير ولا يتحول ولا يتبدل».
وشرح الذهبي ذلك بأن نسخ مصحف إلى مئة مصحف لا يجعل المكتوب في الأول ينتقل منه أو ينقص. وكذلك من يعلّم القرآن لغيره يبقى حفظه في صدره، ولا ينفصل عنه ليحل في المتعلم.
فالمكتوب واحد، وإن تعددت الكتابة، والمتلو واحد، وإن تعدد القراء. انظر: «العلو» (ص 192).
الفرق بين القرآن وأفعال القارئ
يفرّق الذهبي في النص نفسه بين القرآن المتلو وبين أفعال العباد عند أدائه.
فالقرآن كلام الله غير مخلوق، أما تلاوة الإنسان له، ونطقه، وصوته، وكتابته، فهي من أفعاله المخلوقة. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96].
ولهذا لا يصح الخلط بين قولنا: «هذا كلام الله»، وقولنا: «هذا صوت القارئ». فالأول يبيّن صاحب الكلام، والثاني يبيّن من يؤديه ويبلّغه.
وهذا التفريق يوضح كيف يُسمع القرآن من قارئ، ويُقرأ في مصحف، مع بقائه كلام الله، ودون أن تتحول أصوات العباد أو كتابتهم إلى صفات لله.
لماذا قد يلتبس هذا المعنى؟
ذكر ابن القيم أن للشيء مراتب في الوجود: وجوده في الخارج، وتصوره في الذهن، والتعبير عنه باللسان، وكتابته.
ويتضح الفرق في شيء كالشمس؛ فالشمس نفسها ليست صورتها في الذهن، ولا لفظ «الشمس» المنطوق، ولا الكلمة المكتوبة.
أما الكلام، فوجوده المنطوق هو نفسه ظهوره في الخارج، ولذلك قد يلتبس على الإنسان الفرق بين الكلام المنقول وبين صوت من ينقله. انظر: «مختصر الصواعق المرسلة» (ص 508).
فهذا الشرح يقصد إزالة التصور الذي يعامل الكلام كجسم ينتقل من موضع إلى آخر.
معنى تجدد كلام الله
كلام الله غير مخلوق، ووصفه في هذا السياق بأنه «محدث» يعني أنه متجدد متعلق بمشيئته؛ يتكلم سبحانه متى شاء، كلامًا بعد كلام.
ومن الأدلة التي تذكرها الفتوى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، فهذا خطاب قبل خلق آدم.
ثم قال سبحانه: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: 33]، وهو خطاب بعد خلقه.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: 34].
فالله يتكلم بما شاء، ويكلم من شاء، ولا يعني ذلك أن صفة الكلام مخلوقة أو أنه كان فاقدًا لها ثم اكتسبها.
أما السؤال عن بقاء كلمات معينة أو زوالها عند كلام آخر، فلا تقدم الفتوى تفصيلًا في كيفيته، وإنما تبيّن أن أصل تصور الكلام شيئًا منفصلًا ينتقل أو يحل في غير قائله تصور غير صحيح.
الخلاصة
كلام الله لا يفارق ذاته ولا يحل في المصحف أو القارئ؛ فالقرآن كلامه، وأصوات العباد وكتابتهم من أعمالهم. وتجدد كلامه يعني تعلقه بمشيئته، لا كونه مخلوقًا، ولا يبيح الخوض في كيفية لم يبيّنها النص.
والله أعلم.